تخطي إلى المحتوى الرئيسي

خاتم النبيين ( ص ) — صفحة 465

مساهمون:

ص٤٦٥
وروى أبو نعيم بسنده عن عبد الله بن مسعود أنه قال : « كنت غلاما يافعا أرعى غنما لعتبة بن أبي معيط بمكة ، فأتى رسول الله صلّى اللّه عليه وسلّم ، وأبو بكر ، وقد فرا من المشركين ، فقال صلّى اللّه عليه وسلّم « يا غلام عندك لبن تسقينا » فقلت : إني مؤتمن ، ولست بساقيكما فقال : هل عندك من جذعة لم ينز عليها الفحل بعد ؟ قلت : نعم ، فأتيتهما بها ، وأخذ رسول الله صلّى اللّه عليه وسلّم الضرع ، فدعا ، فحفل الضرع . وجاء أبو بكر بصخرة منقعرة ، فحلب فيها ، ثم شرب هو وأبو بكر ، وسقيانى ، ثم قال للضرع أقلص فقلص ، فلما كان بعد أتيت رسول الله صلّى اللّه عليه وسلّم ، فقلت : علمني من هذا القول الطيب : يعنى القران الكريم ، فقال رسول الله صلّى اللّه عليه وسلّم : « إنك غلام معلم ، فأخذت من فيه سبعين سورة ما ينازعني فيها أحد » . وهذه القصة لعلماء السيرة فيها كلام ، وذلك أن ابن مسعود رضي الله عنه كان من المسلمين الذين أسلموا قبل الهجرة ، وأوذوا في سبيل الله ، وهاجر إلى الحبشة ، والقصة توهم أنه كان إسلامه في أثناء رحلة النبي صلّى اللّه عليه وسلّم . وكلام علماء السيرة ، لا يمنع أصل القصة ، ولب الخوارق للعادة ، فإن ذلك ثابت في الصحاح ، وربما كان الكلام منصبا على السياق ، لا على أصل الواقعة وغيره ثابت بلا ريب . وقد سقنا ذلك الكلام ، وليس فيه تطويل ، لأنه صدق ، ولا تطويل في نقل الصادق من الأخبار . وإن هذا كله يدل على أن سيدنا رسول الله صلّى اللّه عليه وسلّم قد جاء على يديه من الخوارق الحسية ما يزيد على التسع التي اختص بها موسى عليه السلام ، إذ أحيا الموتى بإذن الله ، وإذ أخرجها من قبورها بإذن الله ، واختلاف النوع لا يدل على ضعف الروحانية في خوارق محمد صلّى اللّه عليه وسلّم ، فالإسراء والمعراج خارق للعادة مادي روحي ، وغوص فرس سراقة ، ونبع اللبن بين أصابعه وتكرره يدل على قوة روحية لا تقل عن إحياء الموتى ، ومع ذلك لم يتحد النبي صلّى اللّه عليه وسلّم إلا بالقران الكريم أنزله
عَلى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعالَمِينَ نَذِيراً
.

وصول النبي صلّى اللّه عليه وسلّم إلى قباء

استمر الركب المبارك محمد صلّى اللّه عليه وسلّم وصاحبه سائرا في طريق وعر في وعثاء الصحراء ، وقد استطال فرارا من الطلب ، وآيات الله تتبعها اية ، وكثرت في الطريق ، وتوالت ، ليعلم النبي صلّى اللّه عليه وسلّم بالواقع أن الله سبحانه وتعالى معه حيث حل وحيث ارتحل ، كما علم من قبل بعين الإيمان ، إذ قال لصاحبه وهو بالغار ، لا تحزن إن الله معنا . فأراه الله تعالى الآيات في رحلته ، كما أراه الآيات في نبوته . وقد انتهت شدة الرحلة بالوصول إلى قباء ، حيث المنعة والنصرة ، وحيث لقاء أهل الإيمان الذين كانوا يترقبون شخصه ، ويستشرفون لحلوله بينهم . يقرر ابن إسحاق بسنده في هذا عن عبد الرحمن بن عويمر بن ساعدة ، قال : حدثني رجال من قومي من أصحاب رسول الله صلّى اللّه عليه وسلّم قالوا : لما سمعنا بمخرج رسول الله صلّى اللّه عليه وسلّم من مكة المكرمة وتوقعنا