فإن كل هذه خوارق عادات حسية ، لا تقل عن معجزات موسى وعيسى الحسية ، ولكن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم لم يتحد قريشا بها ، ولم يتحد الوجود الإنسانى بها ، بل تحداه بالقران الكريم المعجزة الكبرى .
والخارق الذي بدا في المرور على أم معبد ، هو أن اللبن در من شاة عجفاء حائل لا لبن فيها ، وسقى جميع الركب ، وتكرر السقي ، وشاركهم أهل المنزل الذي نزل فيه النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ، وإليك القصة كما رواها البيهقي بسنده عن أبي معبد الخزاعي :
« أن رسول الله صلّى اللّه عليه وسلّم خرج ليلة هاجر من مكة إلى المدينة هو وأبو بكر ، وعامر بن فهيرة مولى أبى بكر ، ودليلهم عبد الله بن أريقط الليثي ، فمروا بخيمتى أم معبد الخزاعية ، وكانت أم معبد امرأة برزة جلدة ، تحتبى بفناء الخيمة فسألوها هل عندها لحم أو لبن ، يشترونه منها ، فلم يجدوا عندها شيئا من ذلك ، وقالت : لو كان عندنا شيء ما أعوزكم القرى ، وإذ القوم مرملون مسنتون ( أي في سنة جدب ) .
فنظر رسول الله صلّى اللّه عليه وسلّم فإذا شاة في كسر خيمتها ، فقال عليه الصلاة والسلام : « ما هذه الشاة يا أم معبد ؟ فقالت : هي شاة خلفها الجهد عن الغنم ، قال عليه الصلاة والسلام : فهل بها من لبن ؟ فقالت هي أجهد من ذلك . قال عليه الصلاة والسلام : تأذنين لي أن أحلبها ؟ قالت : إن كان بها حلب فاحلبها ، فدعا رسول الله صلّى اللّه عليه وسلّم بالشاة فمسح ضرعها ، وذكر اسم الله تعالى ، ودعا بإناء لها يريض الرهط « 1 » ، فتفاجت واجترت فحلب منها ثجا حتى ملأه ، وأرسله إليها ، فسقاها ، وسقى أصحابه فشربوا عللا بعد نهل « 2 » ، حتنى إذا أرووا شرب ( أي عليه الصلاة والسلام ) اخرهم ، وقال : ساقى القوم اخرهم ، ثم حلب فيه ثانيا عودا على بدء ، فغادروه عندها ، ثم ارتحلوا . فما لبث أن جاء زوجها أبو معبد يسوق أعنزات عجفا يتساوكن هزلا لا نقى بهن « 3 » ، فلما رأى اللبن عجب ، وقال : من أين هذا اللبن يا أم معبد ، ولا حلوبة في البيت ، والشاة عازب ؟ فقالت : لا ، والله إنه مر بنا رجل مبارك كان من حديثه كيت ، وكيت ، فقال : صفيه ، فوالله إني لأراه صاحب قريش الذي تطلبه ، فقالت : رأيت رجلا ظاهر الوضاءة ، حسن الخلق ، مليح الوجه ، لم تعبه تجلة ، ولم تزر به صعلة « 4 » ، قسيم وسيم ، في عينيه دعج ، وفي أشفاره وطف ، وفي صوته صحل ، أكحل ، أزج ، أقرن ( أي سيد ) في عنقه سطع ، وفي لحيته كثافة ، إذا صمت فعليه الوقار وإذا تكلم سما ، وعلاه البهاء ، حلو المنطق ، فصل لا نزر ، ولا هذر ، كأن منطقه خرزات نظم
هامش
( 1 ) أي يشبع الجماعة ، وتفاجت معناها فرجت بين رجليها .
( 2 ) النهل الشرب الأول ، والعلل الشرب الثاني .
( 3 ) النقى : المخ .
( 4 ) التجلة : ضخامة البطن ، والصعلة : صغر الرأس والوطف : كثرة الشعر .