ولذلك خلف عليا رضى الله تعالى عنه ، وكرم الله تعالى وجهه في الجنة ، وجعله ينام في مكان نومه صلّى اللّه عليه وسلّم ، وقال لعلي كرم الله وجهه : نم على فراشي ، وتسجّ ببردى هذا الحضرمي ، فنم فيه ، فإنه لن يخلص إليك شيء تكرهه منهم ، فنام على المؤمن المصدق لرسول الله صلّى اللّه عليه وسلّم ، وهو الشجاع الجلد القوى الذي لا يهاب الموت في سبيل الله ، وكان إذ ذاك في نحو الثالثة والعشرين ، أو الثانية والعشرين .
اجتمع المشركون في العتمة :
روى ابن إسحاق بسنده عن كعب القرظي أنهم لما اجتمعوا له عليه الصلاة والسلام ، وفيهم أبو جهل قال أبو جهل ؛ وهم على بابه : إن محمدا يزعم أنكم إن تابعتموه على أمره كنتم ملوك العرب والعجم ، ثم بعثتم من بعد موتكم فجعلت لكم جنان كجنان الأردن ، وإن لم تفعلوا كان فيكم ذبح ، ثم بعثتم بعد موتكم ، ثم جعلت لكم نارا تحرقون فيها . فخرج رسول الله صلّى اللّه عليه وسلّم ، فأخذ حفنة من تراب ، ثم قال :
نعم أقول ذلك وأنت أحدهم ، وأخذ الله تعالى على أبصارهم عنه ، فجعل ينثر ذلك التراب على رؤسهم ، وهو يتلو :
يس . وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ . إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ . عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ .
تَنْزِيلَ الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ . لِتُنْذِرَ قَوْماً ما أُنْذِرَ آباؤُهُمْ ، فَهُمْ غافِلُونَ . لَقَدْ حَقَّ الْقَوْلُ عَلى أَكْثَرِهِمْ فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ . إِنَّا جَعَلْنا فِي أَعْناقِهِمْ أَغْلالًا فَهِيَ إِلَى الْأَذْقانِ فَهُمْ مُقْمَحُونَ . وَجَعَلْنا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا ، وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا ، فَأَغْشَيْناهُمْ فَهُمْ لا يُبْصِرُونَ « 1 » .
مر بهم رسول الله صلّى اللّه عليه وسلّم وهم لم يروه ، وقرأ عليهم هذه الآيات ، وسواء أصحت الرواية التي تقول ، أنه خاطبهم أم لم تصح ، فإنها لم تغير من اللب شيئا ، بل الحقيقة أنه مر عليهم ، وتلا عليهم تلك الآيات البينات ، وحثا التراب في وجوههم ، وانصرف النبي صلّى اللّه عليه وسلّم إلى حيث كان على موعد مع صاحبه الصديق .
أما المشركون المؤتمرون الذين كانوا يريدون قتل الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم ، فإنهم استمروا في موقفهم منتظرين النبي صلّى اللّه عليه وسلّم أن يخرج ليقتلوه ، حتى أتاهم ات ممن لم يكن معهم ، ويظهر أنه قد رأى رسول الله صلّى اللّه عليه وسلّم قد خرج . فقال لهم : ما تنتظرون ها هنا ؟ فقالوا : محمدا ، فقال : خيبكم الله ، والله قد خرج محمد عليكم ثم ما ترك منكم رجلا إلا وقد وضع على رأسه ترابا ، ثم مضى لحاجته ، أما ترون ما بكم ، فوضع كل رجل منهم يده على رأسه ، فإذا عليه تراب ، ولكنهم مع ذلك لم يصدقوا هذا الرجل الذي أتاهم ، فجعلوا يتطلعون ، فيرون عليا في الفراش ، متسجيا ببرد رسول الله صلّى اللّه عليه وسلّم ، فيقولون : والله إن هذا لمحمد نائما عليه برده ، فلم يبرحوا كذلك ، حتى أصبحوا ، فقام على من الفراش ، فقالوا : والله لقد صدقنا الذي حدثنا .
هامش
( 1 ) سورة يس : 1 - 9 .