ونحن نجيب عن ذلك بما تقتضيه الفروض التاريخية من تعليل لأسباب الوقائع باقترانها بالوقائع الزمنية التي قارنتها ، لقد كانت تلك الشائعة الغريبة وكانت في أعقاب واقعة حقيقية ثبتت ، وهي طرد النجاشي الرسولين اللذين جاا ليحملاه على الإيقاع بالمؤمنين ليخرجهم ، ويستمكنوا من رقابهم ، وحرياتهم ، وليفتنوهم عن دينهم ، ويفسدوا رجال محمد صلى الله تعالى عليه وسلم ، والعقل بلا ريب يربط بروابط منطقية بين الأمرين ، كما اقترنا في الزمن .
ولا يمكننا أن نفرض السبب الذي يذكره مؤرخو السيرة ، وهو سجود النبي عليه الصلاة والسلام للات والعزى ومناة الثالثة الأخرى ، ولابد أن نعرج عليه بالقول ، ولو كانت الرواية في كتب الحديث ، ونبين استحالة قبوله .
جاء في كتاب البداية والنهاية لابن كثير ما نصه في بيان سبب الشائعة :
« كان له سبب ، وهو ما ثبت في الصحيح وغيره أن رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم حبس يوما مع المشركين ، وأنزل الله تعالى عليه :
وَالنَّجْمِ إِذا هَوى . ما ضَلَّ صاحِبُكُمْ وَما غَوى
« 1 »
يقرؤها عليهم ، حتى ختمها وسجد ، وسجد من هناك من المسلمين والمشركين والجن والإنس ، وكان لذلك سبب ذكره المفسرون عند قوله تعالى :
وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلا نَبِيٍّ إِلَّا إِذا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ ، فَيَنْسَخُ اللَّهُ ما يُلْقِي الشَّيْطانُ ، ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آياتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ
« 2 » وذكروا قصة الغرانيق ، وقد أحببنا الإضراب عن ذكرها صفحا . لئلا يسمعها من لا يضعها في مواضعها إلا أن أصل القصة في الصحيح . قال البخاري : « حدثنا أبو معمر ، حدثنا عبد الوارث ، حدثنا أيوب عن عكرمة عن ابن عباس قال : سجد النبي صلى الله تعالى عليه وسلم بالنجم ، وسجد معه المسلمون والمشركون والجن والإنس » . انفرد به البخاري دون مسلم ، وقال البخاري حدثنا محمد بن بشار حدثنا غندر ، حدثنا شعبة عن أبي إسحاق سمعت الأسود عن عبد الله قال قرأ النبي صلى الله تعالى عليه وسلم ، والنجم بمكة ، فسجد فيها وسجد من معه غير شيخ أخذ كفا من حصى أو تراب فرفعه إلى جبهته ، وقال : يكفيني هذا . . . رواه مسلم « وأبو داود ، والنسائي ، وروى مثله أحمد في سنده » « 3 » .
إننا نقرر أن تلك القصة مكذوبة على رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم ، وذلك لما يأتي :
هامش
( 1 ) سورة النجم : 1 ، 2 .
( 2 ) سورة الحج : 52 .
( 3 ) البداية والنهاية ج 3 ص 90 .