تخطي إلى المحتوى الرئيسي

خاتم النبيين ( ص ) — صفحة 335

مساهمون:

ص٣٣٥
وإذا كانوا هم يؤذون فالنبي صلى الله تعالى عليه وسلم يسالم ويدعو بالحكمة والموعظة الحسنة ، لا يقطع ، ولا يكف عن الدعوة ، بل إنه يألم لألمهم ، ويواسيهم في أزماتهم . حتى أنه نزل بأهل مكة المكرمة قحط ، فدعا صلى الله تعالى عليه وسلم لهم بإنزال المطر ، فنزل ، ويظهر أن ذلك كان في الفترة التي عاشها النبي عليه الصلاة والسلام بين أهل مكة المكرمة بعد وفاة أبى طالب إلى أن هاجر ، ولذلك روى أن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم بعد أن استجابت دعوته ود لو كان أبو طالب حيا رجاء إيمانه ، ورجاء أن يعلم أن دينه أي محمد صلى الله عليه وسلم خير لقومه ، ويروى أن هذا الاستسقاء كان ومحمد عليه الصلاة والسلام بالمدينة ، فقال : لو أدرك أبو طالب هذا الاستسقاء ونصره « 1 » . ولقد كان من المشركين من يعتريهم ما يفيد قبول ما جاء به محمد عليه الصلاة والسلام أو على الأقل عدم المبادرة بتكذيبه والتريث في ذلك ، حتى ينظر أتعم دعوته ، وتستجاب ، أم تضعف وترد . قال النضر بن الحارث : « يا معشر قريبش ، إنه والله قد نزل بكم أمر ما أتيتم له بحيلة بعد ، قد كان محمد فيكم غلاما حدثا - أرضاكم فيكم ، وأصدقكم حديثا ، وأعظمكم أمانة ، حتى إذا رأيتم في صدغه الشيب وجاءكم بما جاءكم به ، قلتم ساحر ، والله ما هو بساحر ، لقد رأينا السحرة ونفثهم وعقدهم ، وقلتم كاهن ، والله ما هو بكاهن ، لقد رأينا الكهنة وتخالجهم وسمعنا سجعهم . وقلتم شاعر : لا والله ما هو بشاعر ، لقد رأينا الشعر ، وسمعنا أصنافه كلها ، هزجه ورجزه ، وقلتم مجنون وما هو بمجنون ، فما هو بخنقه ، ولا وسوسته ، ولا تخليطه . يا معشر قريش ، فانظروا في شأنكم ، فإنه والله لقد نزل بكم أمر عظيم » « 2 » .
هامش
( 1 ) المذكور في رؤية أبي طالب لاستسقاء النبي صلي الله تعالى عليه وسلم أنه راه في حياة عبد المطلب ، روي أن رقية بنت أبي أصفي بن هاشم قالت : « تتابعت علي قريش سنو جدب ، قد أقحلت الظلف ، وأرقت العظم ، فبينا أنا راقدة للهم . . . إذا أنا بهاتف يصرخ بصوت صحل : يا معشر قريش إن هذا النبي المبعوث منكم ، هذا إبان نجومه ، فحيهلا بالحيا والخصب ، ألا فانظروا منكم رجلا طوالا أبيض أشم العرنين . . . ألا فليحضر هو وولده ، وليدلف إليه من كل بطن رجل . . . وليمسوا من الطيب ، وليطوفوا بالبيت سبعا ، وفيهم الطيب الطاهر لذاته ، فليدع الرجل وليؤمن القوم . . . قالت فأصبحت مذعورة قد قف جلدي ووله عقلي واقتصصت رؤياي . . . فقالوا هو شيبة الحمد : وعبد المطلب ، فتتابعت عنده قريش ، وانفض إليه الناس من كل بطن رجل فمسوا واستلموا وطوفوا ، ثم ارتقوا أبا قبيس ، وطفق القوم يدقون حوله ما إن يدرك سعيهم . مهلة ، حتى قروا بذروة الجبل ، واستكفوا جنابيه فقام عبد المطلب ، فاعتضد ابن ابنه محمدا صلي الله تعالى عليه وسلم فرفعه علي عاتقه وهو يومئذ غلام قد أيفع ، ثم قال : « اللهم ساد الخلة ، وكاشف الكربة ، أنت عالم غير معلم ، ومسؤول غير مبخل وهذه عبداؤك وإماؤك . . يشكون إليك سنتهم ، فاسمعن اللهم وأمطرن عليهم غيثا مغدقا ، فما راموا حتى انفجرت السماء بمائها وكظ الوادي بثجيجه » هذا ما جاء في الروض الأنف ، والله أعلم بصدق الرواية . ( 2 ) سيرة ابن هشام ج 1 ص 289 .