تخطي إلى المحتوى الرئيسي

خاتم النبيين ( ص ) — صفحة 282

مساهمون:

ص٢٨٢
ونرى من هذا أن خليل الله تعالى إبراهيم عليه السلام ، فهم من هذه الرؤيا تكليفه ذبح ابنه ، فقبل التكليف صابرا ، محتملا ، وهو ابنه البكر ، واستجابة دعوته عليه السلام ، وكان ذلك البلاء المبين حقا ، فقد استجاب للطلب إبراهيم ، وقبل الاستجابة إسماعيل صابرا ، فكانا من المحسنين ، ونعم الصابرون .

والمرتبة الثانية ،

عبر عنها ابن القيم بأنها ما كان يلقيه الملك في روعه وقلبه ، وهذا التعبير يستفاد منه أن الملك هو الوسط بين الله ورسوله ، فهو ينفث في روع الرسول ، وبأمر الله تعالى ، فكان بذلك وحيا ، وكان بطريق الملك ، ولقد مثل له ابن القيم بقوله عليه السلام : « إن روح القدس نفث في روعى أنه لن تموت نفس حتى تستكمل رزقها فاتقوا الله وأجملوا في الطلب » والفرق بين الوحي بهذا المعنى والوحي بلقاء جبريل وروح القدس ، أن لقاء جبريل عيانا في حال المخاطبة . إنما في هذه الحال ، فاللقاء في النفس وفي القلب والعقل ، وربما نعد حينئذ أن يكون هذا من إرسال رسول ، ولو كان بإلهام الله تعالى المجرد ، وهو ما نميل إليه إذا استيقن الرسول أن ذلك إلهام من الله تعالى ، فإنه كلام الله تعالى بالوحي المجرد من غير توسط رسول .

المرتبة الثالثة :

مخاطبة الملك ، حتى كان يتمثل رجلا ، فيخاطبه حتى يعى عنه ما يقول له ، فقد كان يأتيه متمثلا في رجل يظنه النبي صلى الله عليه وسلم من الإنس لا من الملائكة . فقد كان يأتيه في صورة دحية الكلبي ، كما روى ذلك النسائي بسند صحيح من حديث ابن عمر ، ولقد قيل أن مجيء جبريل على صورة دحية الكلبي كان بعد بدر ، ويقول ابن القيم وكان دحية رجلا وسيما ، إذا قدم لتجارة خرجت الظعن « 1 » لتراه ، وإن مجيء جبريل في صورة رجل ، ليس معناه أن جبريل الأمين نزع من روحانيته ، أو ذهبت عنه الروحانية ، إنما هو لا يزال روحا ، والذي ظهر به هو ظهور للروح في صورة جسدية ، ومعاني الملك لا تزال ثابتة قائمة ، ولا يوجد ما يمنع عقلا أن تظهر الروح في صورة إنسان له جسد . ودحية لا شأن له في هذا التغير الصوري ، بل هو حي في جسده يأكل ويشرب ، ويمارس الحياة الإنسانية كاملة . وكون روح القدس جبريل يظهر في جسد لا يقتضى أن يتحول الجسد إلى ملك ، ولا أن يتحول الملك إليه ، وهي روح ليست حيوانية ، ولا ثمرة للحيوية الإنسانية ، حتى إذا تركت الجسد لا تفارقه الحياة ، لأنها ليست أمرا عضويا ، ولكنها روح ملك تفيض في جسم يخلقه ، أو تظهر في جسم يخلقه الله تعالى ، وهو الخلاق العليم ، فإذا غاب الملك غاب معه الجسد الإنسانى .
هامش
( 1 ) الظعن بضم الظاء والعين جمع ظعينة ، وهي المرأة الجميلة .
خاتم النبيين ( ص ) — صفحة 282 | محمد ابو زهره