كان الالتقاء بالروح القدس على مرتين أولاهما تمهيد لاخراهما ، كانت الأولى ، وهي كاملة ، وإن كانت في منام هو كالصحو ، إذ لا يقل عنه وضوحا ، وقد تلقى فيه أول القران الكريم فوعى ما وعى ، وحفظ آيات ربه الأولى ، ولما ذهب عنه النوم الصافي كان يحفظ كل ما حفظ ، لا ينسى منه شيئا .
ولما رأى الوجود ببصره ، كما كان فيه ببصيرته التقى بالذي راه في منامه ، راه وهو شهيد ، وقد استأنس بالرؤيا التي صدقها ، وخاطبه مرة أخرى في عالم الشهادة ، ولولا أنه قد استأنس به ابتداء في الرؤيا الصادقة ، لعظمت المشقة عليه ، وهنا في هذه المرة أدرك أنه ينادى بالرسالة من قبل الله تعالى ، وأنه شرفه بها ، وكان عليه الصلاة والسلام في هذين اللقاءين محفوفا بالنور القدسي ، وإن كان شديدا على النفس البشرية التي عاشت في الأرض ، ولو كانت بصفائها متطلعة إلى النور الرباني الذي يملأ أطوارها ، ويحيط بثناياها .
وفي هذا اللقاء النوراني نزل أول القران الكريم ، وكانت ليلته ليلة القدر التي فرق فيها الأمر وأبرم برسالة محمد بن عبد الله صلى الله تعالى عليه وسلم ، كما قال سبحانه وتعالى :
إِنَّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ . وَما أَدْراكَ ما لَيْلَةُ الْقَدْرِ . لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ . تَنَزَّلُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيها بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ . سَلامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ
« 1 » على كلام في ذلك سنتصدى لبيانه .
ويقول الرواة أن ذلك كان في الليلة السابعة والعشرين من رمضان بعد أربعين سنة من عام الفيل ، وقيل أنها كانت الرابعة والعشرين من ذلك الشهر المبارك ، ومهما يكن اختلاف الرواة في تعيينها فإنها كانت في رمضان كما قال تعالى :
شَهْرُ رَمَضانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ ، هُدىً لِلنَّاسِ ، وَبَيِّناتٍ مِنَ الْهُدى وَالْفُرْقانِ
« 2 » على كلام في ذلك أيضا .
قلق الزوجة الصالحة :
197 - بإلهام المرأة الصالحة الذكية القلب ، الطاهرة النفس أحست خديجة زوج محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم بما فيه زوجها من مشقة ، فانزعجت عليه على غير عادة ، وقد ألفت منه الغيبة في شهر رمضان ، وكانت هي التي تزوده بزاد المادة ، والله تعالى يزوده بزاد التقوي ، انزعجت ، فأخذت تسأل عنه ، وهي تعلم أنه في غار حراء ، لأنها أحست أنه في جهاد روحي ، جهاد من ينزع من الأرض ، ليتصل بالسماء .
هامش
( 1 ) سورة القدر كلها .
( 2 ) سورة البقرة : 85 .