تخطي إلى المحتوى الرئيسي

خاتم النبيين ( ص ) — صفحة 233

مساهمون:

ص٢٣٣
ومهما تكن دلالة ذلك النص فإن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم حمل عبء الجهاد ودخول الميدان بنفسه من غير ضن بها وكان أصبر أصحابه في الجهاد ، فما فر قط من صفوف القتال ، وما يختاره في موضع أمن ، ولو تولى عنه كل من حوله . ولقد روى عن فارس الإسلام علي بن أبي طالب كرم الله وجهه أنه قال : « إنا كنا إذا حمى البأس ، واحمرت الحدق اتقينا برسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم ، فما يكون أحد أقرب إلى العدو منه ، ولقد رأيتني يوم بدر ، ونحن نلوذ بالنبي صلى الله تعالى عليه وسلم . وهو أقربنا إلى العدو ، وكان من أشد الناس بأسا » وكان عليه الصلاة والسلام هو العلم الذي نهتدى به في الميدان ، أشجع المجاهدين وأصبرهم صلى الله تعالى عليه وسلم . ويقول عبد الله بن عمر الذي شاهد الحرب ، ما رأيت أشجع ولا أنجد ولا أجود ولا أرضى من رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فهو الشجاع الرضى الكريم الصبور ، الذي يقف في الهيجاء ، ويحمل سيفه ، ليجيب كل هيعة . وإنه عليه الصلاة والسلام كان قوى الاحتمال مع شجاعة ، ورباطة جأش ، لقد جرح في يوم أحد ، واشتدت جراحه ، وأنزفت دمه ، ومع ذلك دوام على الحرب ، ولم يهن ولم يستكن . ولقد أريد قتله عليه الصلاة والسلام في هيجاء أحد ، واضطرابها ، فجاء أبي بن خلف يريد قتله ، وقد أعد لذلك عدته منذ بدر الكبرى ، إذ كان في الأسرى ، فلما كان أحد ، ولم يكن للمسلمين جاء وقد ادرع بالحديد ، لا يرى منه إلا عينه ، حتى لا يصيبه سيف أو رمح ، وهو يقول : أين محمد صلى الله عليه وسلم ؟ لا نجوت إن نجا محمد ، فاعترضه رجال من المسلمين ، فقال محمد صلى الله عليه وسلم الذي أنزف من دمه ما أنزف ، خلوا طريقه ، وتناول الحربة من الحارث بن الصمة ، وحملها ، وانتفض بها انتفاضة تطايروا تطاير الشعراء عن ظهر البعير إذا انتفض ، فطعنه عليه الصلاة والسلام في عنقه طعنة تدأدأ منها من فرسه مرارا ، وقيل بل كسر ضلعا من أضلاعه ، فرجع إلى قريش يقول : قتلني محمد - صلى الله عليه وسلم - وهم يقولون : لا بأس عليك . فقال : لو كان يجمع الناس لقتلهم ، أليس قد قال أنا أقتلك ، والله لو بصق على لقتلني ، فمات في سرف في قفولهم إلى مكة المكرمة « 1 » . وإنه في حرب هوازن ثبت واحده ، وذلك كاف لبيان مدى شجاعته وصبره .
هامش
( 1 ) الشفاء ج 1 ص 68 .