تخطي إلى المحتوى الرئيسي

خاتم النبيين ( ص ) — صفحة 212

مساهمون:

ص٢١٢
بلسان القول ، بل كان يدعو بلسان الفعل ، ولسان الفعل في هذه الحال أجدى فإنه لا يصح أن تكون الدعوة إلى التقشف آتية ممن يرفل في الدمقس والحرير ، إذ تكون حاله مناقضة لمقاله ، فلا يسمع له قول ، ولا يقبل منه كلام . 151 - إن النبي عليه الصلاة والسلام قبل الهجرة كان يحمل كل ضعفاء المؤمنين ، فما يكون له من كسب من تجارته في مال أم المؤمنين خديجة ينفقه على الضعفاء من المؤمنين ، وهم أول من اتبع النبي صلى الله تعالى عليه وسلم ، وقد امتنع المشركون عن إطعام الضعفاء وخصوصا الذين يؤمنون ، بل أرهقوهم عذابا وعسفا وهوانا ، وكان يواسيهم بالعطاء وطلب الصبر ، والفرج القريب إن شاء الله تعالى ، لا يألو جهدا إلا بذله ، وهو يكتفى بالقليل من العيش الذي يقيم أوده ، ليتحمل عبء الدعوة ، والقيام بحقها . ولما هاجر إلى المدينة ، وانشغل بالإسلام عن التجارة التي كانت المرتزق له ، ويظهر من مجرى التاريخ أنه قد أنهاها قبل الهجرة ، وربما يكون قد صفاها بعد وفاة أم المؤمنين خديجة رضى الله تبارك وتعالى عنها ، وصار رزقه من بيت المال الذي يعمل فيه ، إذ هو العامل الأول ، وله الاستيلاء على خمس الغنائم بمقتضى الولاية العامة الإسلامية كما قال تعالى :
وَاعْلَمُوا أَنَّما غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ ، فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ ، وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبى ، وَالْيَتامى وَالْمَساكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ ، وَما أَنْزَلْنا عَلى عَبْدِنا يَوْمَ الْفُرْقانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعانِ ، وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ
« 1 » . عندما صارت نفقته من بيت المال ، أو من الغنائم ، وإنها لتكون بأشق جهد يبذله وأعظمه . علا زهده عليه الصلاة والسلام في المال والعيش الرغيد ، ولولا قيام الأود ، وأنه لابد من لقيمات يقمن صلبه ، لزهد حتى في اللقمة القفار . كان عليه الصلاة والسلام ينام على الحصير ، حتى يؤثر في بدنه الكريم ، ويروى عن ابن مسعود أنه قال : « إنه عليه الصلاة والسلام نام على حصير ، فأثر الحصير بجلده ، فجعلت أمسحه ، وأقول ألا اذنتنا فنبسط لك شيئا يقيك تنام عليه ، فقال عليه الصلاة والسلام : « مالي وللدنيا ، ما أنا والدنيا إلا كراكب استظل تحت ظل شجرة ، ثم راح وتركها » . وكان رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم يتوسد بحشية من ليف ، وراه عمر بن الخطاب ، وهو على مثل هذه الحال ، فبكي ، فقال له النبي الزاهد : وما يبكيك ؟ فقال عمر : ومالي لا أبكى ، وكسرى وقيصر يعيشان فيما يعيشان فيه من الدنيا ، وأنت على هذه الحال التي أرى ، فقال محمد صلى الله عليه وسلم : يا عمر ، أما ترضى أن تكون لهم الدنيا ، ولنا الآخرة ، قال : بلى ، قال : هو كذلك .
هامش
( 1 ) سورة الأنفال : 41 .