تخطي إلى المحتوى الرئيسي

خاتم النبيين ( ص ) — صفحة 210

مساهمون:

ص٢١٠
149 - إن زهد محمد بن عبد الله عليه الصلاة والسلام الذي وصل إليه بفطرته السليمة في وسط الجاهلية هو أعلى درجات الزهد ، ولنستعرض بعض كلام الصوفية في الزهد الصوفي لنتعرف مقام زهد محمد بن عبد الله عليه الصلاة والسلام قبل أن ينزل كتاب يرشده ويهديه ، لقد قال ابن عطاء الله السكندرى في حكمه : « للزاهد في الدنيا علامتان : علامة في فقدها ( أي أسباب الشهوات ) وعلامة في وجودها ، فالعلامة التي في وجودها الانصراف عنها ، والعلامة التي في فقدها وجود الراحة منها ، فالإيثار شكر لنعمة الوجدان ، ووجود الراحة منها شكر لنعمة الفقدان » . وزهد محمد صلى الله عليه وسلم قبل البعثة ، كان أعلى من إيثار غيره بها عند وجودها ، والراحة من فقدها ، لأنه كان زهد العامل للحصول على أسباب اللذائذ ، فإذا حصل عليها لا يختص بها ، بل يؤثر غيره بها ، ولا يتأتى زهد فقدانها ، لأنه لا ينتظرها وجودا وفقدا ، ولكن يعمل لوجودها لينفق على الفقراء وليمتاع غيره ، فهو زهد إيجابي عامل ، كما نوهنا . فليس زهد الحرمان الذي جاء من فلسفة الهنود ، ولكنه زهد الكاسب الذي يكسب لغيره . . ويبقى لنفسه القليل الذي يقيم أوده ، ويمكنه من استمرار الكسب لغيره . ولقد رتب الإمام أحمد رضى الله تبارك وتعالى عنه مراتب الزهد أدنى مراتبه ترك الحرام ، والمرتبة الثانية ترك فضول الحل ، بل يفطم نفسه عن بعضه ، فهو يمنع عن نفسه بعض الحلال من غير تحريم ، ولكن ليعودها احتمال الحرمان إن لم يجد بعض الحلال ، فهو تهذييب وتربية ، والمرتبة الثالثة وهي العليا ألّا يشغل نفسه عن ذكر الله تعالى بالاشتغال بالدنيا ، واستغراقها لنفسه ، وهو زهد العارفين . ومحمد بن عبد الله عليه الصلاة والسلام قبل البعثة كان زهده أعلى من ذلك ، لأنه كان مشغولا بذكره دائما في كل عمل يعمله ، وكل عبادة يؤديها ، وكل فكرة يتفكر بها ، وما كان يعمل لتعود ثمرة عمله على نفسه ، بل لتعود على نفع غيره ، فهو العابد في كل حياته ، ولا يعمل إلا الله ، وإذا كان شغل النفس بذكر الله تعالى هو زهد العارفين ، فزهد محمد صلى الله عليه وسلم أعلى منه .

زهده بعد البعثة :

150 - كان زهد محمد بن عبد الله صلى الله تعالى عليه وسلم امتدادا لزهده قبل البعثة ، ولكنه بعد البعثة أخذ صورة أجل وأعظم ، لأنه حمل أعباء الرسالة ، فكان زهدا في الاستعلاء بالسلطان ، وزهدا معروفا عند كافة المؤمنين ، ليكون أسوة حسنة فيما يطيقونه من زهده عليه الصلاة والسلام ، وكان زهد العامل الذي يعمل في كل ميادين الحياة ، لا زهد من يعكف في الصوامع ، وكان يبث ذلك في المؤمنين ويدعو إليه .