تخطي إلى المحتوى الرئيسي

خاتم النبيين ( ص ) — صفحة 211

مساهمون:

ص٢١١
ولعل أظهر مظهر للزهد رفضه أن يكون ملكا كداود وسليمان وبعض الأنبياء ، فقد روى ابن عباس أن الله تعالى أرسل إلى نبيه ملكا من الملائكة معه جبريل ، فقال الملك لرسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم : « إن الله يخيرك بين أن تكون عبدا نبيا ، وبين أن تكون ملكا نبيا » فقال رسول الله عليه الصلاة والسلام : « بل أكون عبدا نبيا » ( رواه البخاري ) . وكانت أوامر القران تدعو إلى الزهد في الحرام ومنعه عن أمته كلها ، ولكن الخطاب كان موجها ابتداء إليه عليه الصلاة والسلام ، ولقد جاء في كتاب البداية والنهاية لابن كثير : « قال الله تعالى :
وَلا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلى ما مَتَّعْنا بِهِ أَزْواجاً مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَياةِ الدُّنْيا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقى
« 1 » ، وقال تعالى :
وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَداةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ ، وَلا تَعْدُ عَيْناكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَياةِ الدُّنْيا ، وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنا ، وَاتَّبَعَ هَواهُ وَكانَ أَمْرُهُ فُرُطاً
« 2 » وقال تعالى :
فَأَعْرِضْ عَنْ مَنْ تَوَلَّى عَنْ ذِكْرِنا ، وَلَمْ يُرِدْ إِلَّا الْحَياةَ الدُّنْيا . ذلِكَ مَبْلَغُهُمْ مِنَ الْعِلْمِ
« 3 » وقال تعالى :
وَلَقَدْ آتَيْناكَ سَبْعاً مِنَ الْمَثانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ . لا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلى ما مَتَّعْنا بِهِ أَزْواجاً مِنْهُمْ وَلا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ ، وَاخْفِضْ جَناحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ
« 4 » والآيات كثيرة . » . « 5 » . وإن هذه النصوص كلها الخطاب فيها للنبي صلى الله تعالى عليه وسلم ، ولكنه موجه إلى كل المؤمنين ، ولا يختص به واحده ، وهو يدل على أمرين : أولهما : الامتناع عن الحرام ، وهذا زهد العوام ولذلك طولب به الناس جميعا . وثانيهما : أن الامتناع عن الحرام لا يكون بمجرد الامتناع المادي الواقعي ، بل إنه لابد من البعد النفسي وتجنب أسبابه ، ولذلك كان النهى متجها إلى الأسباب النفسية ، فقال تعالت كلماته :
لا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلى ما مَتَّعْنا بِهِ أَزْواجاً مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَياةِ الدُّنْيا
وكأن الدعوة إلى ملازمة الذين ينصرفون عن الشهوات إلى الله سبحانه وتعالى والاتجاه إليه ، وألا يخالط الذين يجترحون الشهوات ، فقال تعالى :
وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَداةِ وَالْعَشِيِّ ، يُرِيدُونَ وَجْهَهُ
فعشرة الذين يتجهون إلى الله تعالى في غدوهم ورواحهم ، وفي غدوتهم وعشيتهم تربى في النفس معنى الاستبعاد عن الحرام والاتجاه إليه سبحانه وتعالى . وإننا نجد زهد محمد عليه الصلاة والسلام يشتد كلما تمكن من المال ، وكلما اتسع سلطانه ، وكلما كثرت تكليفاته وكلما أقدم على الشدائد ، لأنه يرى أن تحمل مصائب الحرب وشدائدها إنما يكون ابتداء بتربية للنفس وحملها على ترك اللذائذ ، أو القدرة على تركها ، وما كان يدعو أمته بذلك
هامش
( 1 ) سورة طه : 131 . ( 2 ) سورة الكهف : 28 . ( 3 ) سورة النجم : 29 ، 30 . ( 4 ) سورة الحجر : 87 ، 88 . ( 5 ) البداية والنهاية ج 6 ص 48 .