وعفة محمد بن عبد الله عليه الصلاة والسلام كانت صيانة من الله تعالى صانه عن أن يلهو ، ولا يمكن أن تكون الشهوات وانحرافها ، إلا ومعها اللهو بكل ضروبه ، وقد صانه الله لا عن الأهواء والشهوات المنحرفة ، بل صانه عن مقدماتها ، وعن أخذ أسبابها ، فصانه عن اللهو ولو كان بريئا .
وقد ذكرنا من قبل كيف انساق وهو غلام إلى الرغبة في أن يحضر عرسا فيه لهو ، فإنه عندما ذهب إليه ضرب الله سبحانه وتعالى على ذاته بنعاس أصابه من غير غم ، وما استيقظ من نعاسه حتى أيقظته الشمس في ضحاها ، وكذلك كان الأمر في ليلة أخرى ، حين استوى عوده ، وكانت له إرادة مسيطرة على نفسه ، كان عزوفه عن اللهو بإرادة مهدية مدركة ، ولم يكن بنوم يصيبه الله تعالى به ، ولذلك استعصم ، ولم يحدث منه قط ما يكون انسياقا وراء هوى جامح ، أو شهوة مسيطرة . حتى كان الزواج ، فكان الحلال الذي لا مرية فيه .
الوفاء ورعاية العهد :
142 - إنه يستدل على سجايا الرجل بمقدار رعايته لمن كان لهم به صلة ، وممن كانوا معه على عشرة طيبة ، فيوفى بحق هذه العشرة ، يرعاها حق رعايتها ، يصلها ولا يقطعها ، يذكرها ولا ينكرها ، فالوفاء خلة الرجل الكريم ، وبمقدار وفائه يكون مقدار ما اتاه الله تعالى من خلق سمح ، ونفس مؤمنة بالخير ، معترفة به لأهله .
وإن وفاء النبي صلى الله تعالى عليه وسلم لمن مضى من معاشريه يسترعى أنظار من قرأوا سيرته الطاهرة :
( أ ) وأوضح مثل ، وفاؤه لأم المؤمنين خديجة ، يود صديقاتها ، ويصل صلاتها ، يذكرها بالخير والاعتراف بالجميل ، حيث جاء ذكرها ، حتى إن أم المؤمنين عائشة حبّ رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم تقول : « ما غرت على امرأة ما غرت على خديجة ، لما كنت أسمعه صلى الله تعالى عليه وسلم يذكرها ، وإن كان ليذبح الشاة ، فيهديها إلى خلائلها . استأذنت عليها أختها فارتاح إليها ودخلت عليه امرأة ، فبش لها وأحسن السؤال عنها ، فلما خرجت قال : إنها كانت تأتينا أيام خديجة » .
وإن الوفاء لحسن العهد من الإيمان ، وناهيك بأعظم من في الوجود ، فلابد أنه كان أوفاهم ، ومما يتصل بوفائه لزوجه البارة خديجة أن عائشة من كثرة ثنائه عليها قالت له مرة : هل كانت إلا عجوزا بدلك الله خيرا منها » فقال عليه الصلاة والسلام : لا والله ما أبدلنى خيرا منها . . . امنت بي إذ كفر الناس ، وصدقتني إذ كذبني الناس ، وواستنى بمالها إذ حرمنى الناس ، ورزقني الله منها الولد دون غيرها من النساء » .