ولكن الخطوات الأخرى التي خطاها إبراهيم في معرفة ربه لم يخطها فلم يخط خطوة تعرف الله في النجوم ولا في الشمس ، بل وقف عند عبادة الله ، وإدراك عظيم قدرة الله سبحانه ، واستحقاقه واحده للعبادة .
والسبب في أن محمدا صلى الله عليه وسلم لم يخط الخطوات التي خطاها خليل الله إبراهيم ، أن إبراهيم رأى فعلا من عبد مع الأوثان الكواكب ، وعبد الشمس ، ولم يكن في الأقوام الذين بعث فيهم من يذكرون الله كثيرا ، ولو على انحراف في الاعتقاد ، أما العرب ، فكانوا يعرفون الله تعالى ببقايا ديانة إبراهيم ، وكانوا يذكرون الله في الحج بقية إبراهيم في العبادة ، فهم يعرفون الله على انحراف ، لم يكونوا يجهلونه ، بل كانوا في مناسك الحج يذكرون الله كثيرا ، في تلبيتهم ووقوفهم في مناسكه ، والضلال في إشراكهم بالله ، بينما الظاهر من تاريخ الكلدان والمصريين ، أنهم ما كانوا يذكرون الله تعالى في عبادة قط ، فلما نشأ محمد عليه الصلاة والسلام في قوم يعرفون الله ويشركون معه في العبادة أوثانهم ، ترك ما ابتدعوه ، وأنكره وبالغ في إنكاره ، وأبقى من بقايا إبراهيم الاعتراف بالله ، ثم كان إيمانه بربوبيته واحده ، واستحقاقه واحده للعبادة والألوهية .
وقد يقول قائل : إن الله تعالى وصفه بأنه كان ضالا فهدى ، إذ قال تعالي :
أَ لَمْ يَجِدْكَ يَتِيماً فَآوى . وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدى
« 1 » فإن هذا يدل على أنه كان ضالا في العبادة ، ومن يعرف الله تعالى لا يضل في عبادته . ونقول في الجواب عن ذلك : إن محمد بن عبد الله عليه الصلاة والسلام كان يعرف الله تعالى ، ويؤمن به ، ويكفر بالأوثان ، وينكر أن تكون مستحقة لأي نوع من التقديس لها ، كما رأى جده الأكبر إبراهيم أنها لا تضر ولا تنفع . ولكنه كان حائرا في الطريقة التي يعبد الله تعالى بها ، فهو متجه باستقامة نفسه وقلبه إلى الله تعالى ، وعبادته واحده ، ويريد أن يقوم بحق الله ، وكانت ديانة إبراهيم قد جهلت ، ولا يعرف من طريقتها إلا قليلا ، فكان لابد من أن تصيبه حيرة ، حتى يهديه الله تعالى إلى شيء مما بقي من دين إبراهيم ، وهذا هو مؤدى قوله تعالى :
وَكَذلِكَ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ رُوحاً مِنْ أَمْرِنا ما كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتابُ وَلَا الْإِيمانُ ، وَلكِنْ جَعَلْناهُ نُوراً نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشاءُ مِنْ عِبادِنا
« 2 » .
145 - وإن محمدا صلى الله تعالى عليه وسلم نشأ عابدا منذ أدرك سن التمييز ، فكان عقله في الله تعالى يفكر كيف يعبده ، ثم يجد في التفكير في خلق الله تعالى عبادة ، وإذا كان إبراهيم عليه السلام قد أراه الله تعالى ملكوت السماوات والأرض ليصل إلى إدراك ربه ، فقد كان محمد بن عبد الله صلى الله تعالى عليه وسلم منذ كان غلاما زكيا يرى في خلق السماوات والأرض والشمس والقمر ، والنجوم المسخرات بين السماء والأرض عبادة ، لا ينظر إلى السماء وأبراجها وزينتها ، والشمس وضحاها ، والليل إذا
هامش
( 1 ) سورة الضحى : 3 ، 7 .
( 2 ) سورة الشورى : 52 .