تخطي إلى المحتوى الرئيسي

خاتم النبيين ( ص ) — صفحة 198

مساهمون:

ص١٩٨
وإن التاريخ ليروى أن أبا سفيان ، وقد كان زعيم الشرك في الوقت الذي جرى فيه حديث بينه وبين هرقل ملك الروم عن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم ، وقد سأله عن نسبه الكريم ، فقال إنه من أوسطنا نسبا ، وعمن يتبعونه ، وعن أسئله كثيرة تتعلق بأخلاق النبي عليه الصلاة والسلام ، أجابه بالصدق غير مائن فيما يقول ، ولقد قال ، وهو محنق من أثر الحقائق التي ذكرها لهرقل : « لولا أنى أخشى أن يحفظ عنى كذبة في العرب لكذبت » . فعرب مكة والمدينة ووسط الصحراء لم يكن الكذب سائغا بينهم . وكذلك النفاق ، ولم يعرف النفاق في أوساط المسلمين الذين استجابوا إلا من اليهود ومن يجاورونهم من مشركي المدينة ، فقد ظهر فيهم النفاق مقترنا بقوة المسلمين . إذن لم يكن غريبا أن يكون محمد صلى الله تعالى عليه وسلم صادقا بين الصادقين . ولكن صدق محمد صلى الله عليه وسلم ليس كصدق غيره من أهل مكة المكرمة ومن حولها ، ولكنه صدق من أعده الله تعالى ليكون رسولا للعالمين ، فأخلاقه صلى الله تعالى عليه وسلم كانت من إرهاصات النبوة . فلم يكن صلى الله تعالى عليه وسلم صادق القول فقط ، بل كان صادق القول ، وصادق الحس ، وصادق النفس . ونقصد بصدق الحس بأن يكون نظره إلى الأشياء والأشخاص صادقا في وصفها ، مستبطنا من وراء الظاهر ، ما يعرف حقائق استبطنها ، ثم صادق في النظر إلى نفسه ، فيعرف مواضع الخير ، فيفعلها ، ويعرف مواضع الشر فيجتنبها ، وهو صادق في مقاصده ، وصادق في غاياته ، يخلص في إدراك الحقائق ، والاتجاه إليها اتجاها مستقيما لا عوج فيه . فيستقيم إدراكه ، ويصدق في كل أمر يتصل بالقلب والضمير . ولأن الإيمان أساسه الإخلاص في العمل والقول والإذعان ، لا يتصور إيمان مع كذب ، ولقد سئل من بعد نبوته ، أيكون المؤمن جبانا ، فقال عليه الصلاة والسلام يجوز ، وسئل أيكون بخيلا قال قد يكون بخيلا ، وسئل أيكون المؤمن كذابا : قال : لا يكون المؤمن كذابا ، إذ الكذب والإخلاص في الاتجاه والقول والعمل نقيضان لا يجتمعان . وأما الأمانة فحسبنا أن نعلم أن ذلك أمر رأته قريش كلها ، وامنت به ، حتى سمى بالأمين ، كان يعرف بالأمانة ، وينادى بالأمين ، وإن الأمانة والصدق صنوان متلازمان ، فلا أمانة من غير صدق ، والصدق يقتضى كل الفضائل والكذب عش الرذائل .