تخطي إلى المحتوى الرئيسي

خاتم النبيين ( ص ) — صفحة 121

مساهمون:

ص١٢١
وزوجها ، ولذلك كان يبدو على لسانه ما يدل على أنه يتوقع له خيرا عظيما ، كما جاء في الخبر الذي سقناه ، وقد قال أيضا ابن إسحاق ، مرويا بسنده ، « لما توفيت امنة قبضة إليه جده عبد المطلب ، وضمه ورق عليه رقة لم يرقها على ولده ، وكان يقربه منه ويدنيه ، ويدخل عليه إذا خلا ، وإذا نام ، وكان يجلس على فراشه ، فيقول عبد المطلب إذا رأى ذلك : « دعوا ابني إنه يؤسس ملكا » « 1 » . وكان في ذلك البيت قلب اخر منحه محبة الأم ، ورأت فيه وجودها ، تحنو عليه كأمه ، وهي التي حضنته كأمه ، واوت به من غربته وهي أم أيمن ، وكان عبد المطلب يعتمد عليها إذا غاب عنه في رعايته فكان يحثها على أن تبلغ أقصى الغاية في العناية به ، فيقول : لها « يا بركة لا تغافلى عن ابني فإني وجدته في غلمان قريب من السدرة ، وإن أهل الكتاب يزعمون أن ابني نبي هذه الأمة » . ولكمال عطفه ، وإيناسه ، وتأليفه بكمال حنوه كان لا يأكل طعاما إلا يقول على بابنى ، فيؤتى به ، ولكن الله تعالى يختبر نفس الغلام بحرمان ثالث ، فقد اختطف الموت أباه ولم تكتحل عيناه برؤيته ، واختبره ثانيا بأن اهتصر الموت عود أمه ، وقد أدرك معنى حنو الأمهات ، ورآها كالعود الأخضر ، يذبل ، ويذوى ، ثم اختبره ثالثة ، وقد رأى جده الكريم يتركه ، فقد الأبوة القريبة ، والأبوة البعيدة ، وقد أحس بعظم ما فقد عند سمع المراثى فيه ، وهي تعلن مكانته ، ومحبته وأنه قد ابتدأت ، وهو لا يزال حيا ، ولكن الموت يدنو منه . وكانت الأشعار تجيء بالرثاء من بناته ، ويقول ابن إسحاق « إنه لما أحس بذلك الموت أمر بناته أن يرثينه فكن يرثينه ، وهو يسمع » . وهذا الرثاء هو أبلغ النواح ، وإن ذلك الخبر يدل على أنه كان في وعى كامل ، ولم يصبه خرق الشيخوخة .

في كنف أبى طالب

97 - كان اليتيم الكريم يعيش في عزة وعطف ، ورفق في أحضان أمه الطاهرة ، وحاضته البرة أم أيمن بركة هذا البيت ، وكنف الشريف في قومه السيد في قبيلته ، لم يحس بالمهانة أو القهر ، بل أحس بالشرف والكرم والرفق والعطف ، واستمرت هذه حاله إلى أن بلغ الثمانية . وقد مات جده ، وكافله في الثامنة من عمره ، ولكنه لم يفقد عطفه وهو يعالج سكرات الموت ، بل استمر قائما بحقه عليه ، ولذلك عندما أحس بالموت يدب في جسمه دبيبا ، أوصى أبا طالب بحفظ رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم وحياطته ، وقد اختصه بهذه الوصية ، لأنه كان في قريش له مقام
هامش
( 1 ) البداية والنهاية ج 2 ص 282 .
خاتم النبيين ( ص ) — صفحة 121 | محمد ابو زهره