تخطي إلى المحتوى الرئيسي

خاتم النبيين ( ص ) — صفحة 118

مساهمون:

ص١١٨
أبى ؟ فقال : في النار ، فلما ولى الرجل قال عليه السلام : إن أبى وأباك في النار » وليس لنا أن نقول نحن هذا في أبويه صلى الله تعالى عليه وسلم ، لقوله عليه الصلاة والسلام « لا تؤذوا الأحياء بسبب الأموات » وإنما قال النبي عليه الصلاة والسلام لذلك الرجل ما قال ، لأنه وجد في نفسه ، وقد قيل أنه قال أين أبوك أنت ، فحينئذ قال ، وقد رواه معمر بن راشد بغير هذا اللفظ ، فلم يذكر أنه قال إنه قال إن أبى وأباك في النار . ولا شك أن الخبر الذي يقول أن أبا محمد عليه الصلاة والسلام في النار خبر غريب في معناه ، كما هو غريب في سنده ، لأن الله تعالى يقول :
وَما كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا
« 1 » وقد كان أبو محمد عليه الصلاة والسلام وأمه على فترة من الرسل ، فكيف يعذبون ؟ ! ! إن هذا مخالف للحقائق الدينية ، لقد مات أحدهما قبل أن يبرز الرسول إلى الوجود ، وماتت الأخرى وهو غلام لم يبعث رسولا ، ولذلك كان الخبر الذي يقول أنهما في النار مردودا لغرابة سنده ، أولا ، ولبعد معناه عن الحقيقة ثانيا . ولعل نهى النبي عليه الصلاة والسلام عن الاستغفار ، لأن الاستغفار لا موضع له ، إذ أنه لم يكن خطاب بالتكليف من نبي مبعوث ، وليس كاستغفار إبراهيم لأبيه الذي نهى عنه ، لأن أبا إبراهيم قد خوطب برسالة إبراهيم فعلا ، فهو مكلف أن يؤمن بالله ، ويكفر بالأوثان . وفي الحق أنى ضرست في سمعي وفهمي عندما تصورت أن عبد الله وامنة يتصور أن يدخلا النار ؛ لأنه عبد الله الشاب الصبور الذي رضى بأن يذبح لنذر أبيه ، وتقدم راضيا ، ولما افتدته قريش استقبل الفداء راضيا ، وهو الذي كان عيوفا عن اللهو والعبث ، وهو الذي برزت إليه المرأة تقول هيت لك ، فيقول لها أما الحرام فالممات دونه ، ولماذا يعاقب بالنار ، وهو لم تبلغه دعوة رسول ، ونفى الله تعالى العذاب إلا بعد أن يرسل رسولا ، ولما تكن الرسالة قد وجدت ، ولم يكن الرسول قد بعث . وأما الأم الرؤوم الصبور التي لاقت الحرمان من زوجها فصبرت ، ورأت ولدها يتيما فقيرا ، فصبرت ، وحملته صابرة راضية في الذهاب إلى أخواله ، أيتصور عاقل أن تدخل هذه النار من غير أن يكون ثمة رسالة تهديها ودعوة إلى الواحدانية توجهها . إني ضرست لا لمحبتي للمصطفى الحبيب فقط وإن كانت كافية ، ولكن لأن قصة امنة جعلتني لا أستطيع أن أتصور هذه الصبور معذبة بالنار ، وقد شبهتها بالبتول مريم العذراء لولا أن الملائكة لم تخاطبها . 95 - ويظهر أن النبي صلى الله عليه سلم كان كلما مر بقبر أمه غلبت عبراته ، ولا عيب في ذلك ، فقد قال عليه الصلاة والسلام أن البكاء من الرحمن والصراخ من الشيطان ، ولقد ذكر الرواة أنه
هامش
( 1 ) سورة الإسراء : 15 .