والظاهر أنها خرجت به بعد أن أخذته من حاضنته ومرضعته بعد أن بلغ خمس سنين وأشهرا كما ذكرنا من قبل ، أي أنه كان قد ابتدأ السادسة ، وسار فيها أشهرا .
وقد زار أولئك الصفوة من الأخيار قبر عبد الله أبيه ، والزوج الحبيب زوج امنة فعبرت العيون وسكنت الأصوات ، وتناجت الأرواح على مشهد من الغلام المحس المدرك ، فعرف أباه ، وقد أرمس في التراب ، ورأى رمسه بنظره ، وأدرك محبته من عبرات أمه ، فكان منظرا مطبوعا في نفسه ، وهمسا مس قلبه ومشاعره ، ولعله أول حزن مس قلبه الغض البريء .
أقام وأمه في أطم بنى عدى بن النجار ، وهو قصر بنى في أكمة عالية كأنه الحصن ، وقد كانت الأطم معروفة في المدينة ، ويظهر أن الإقامة لم تكن قصيرة ، وربما كانت طويلة نسبيا ، ومهما يكن فقد رسمت في ذهن الغلام صورا وضحها الخيال ووسعها من غير مبالغة ولا إغراق عند ذكرها .
فيروى أنه قال ، وقد رآها بعد أن حمل أعباء الرسالة : « كنت مع غلمان من أخوالي نطير طائرا يقع عليه » ( أي على أطم بنى النجار ) . وقال في الدار التي نزل بها هو وأمه : « ها هنا نزلت بي أمي ، وفي هذه الدار قبر أبى عبد الله بن عبد المطلب » .
موت الطهور امنة :
93 - أقامت امنة بدار بنى النجار ما طابت لها الإقامة ، ولم ترد الاستمرار بعيدة عن بني هاشم وعن الجد الطيب عبد المطلب كافله ، فكان لابد من العودة ، فأخذت في السير إلى مكة ، ولكنها وهي عائدة إليها أدركها الموت بمكان اسمه ( الأبواء ) ، وهو بين مكة والمدينة ، وهو إلى المدينة أقرب ، كما يقول صاحب الروض الأنف « 1 » . وبذلك صار محمد صلّى اللّه عليه وسلّم يتيما من أبويه إذ ادخره الله تعالى للإنسانية هاديا بالحق ، داعيا إلى الرحمة ، فكان نبي الرحمة ، لأن الرحمة بالناس تنبع من الآلام الذاتية التي تعترض في أثناء الحياة ، فإنه لا تنبعث الرحمة بالضعفاء إلا ممن ذاق مرارة الضعف ، وأي ضعف أشد من اليتم ، وإن القسوة في كثير من الأحيان تكون من الذين ينشئون في الحلية فاكهين في نعيم الحياة .
ولقد ماتت الأم الطاهرة ، وهو يدرك الحياة ، وقد ذاق حلاوة حنانها ، ولطف عطفها ، وهي التي كان هو لها كل الوجود ، واستبشرت به ، واتخذت حبه عوضا عن الحب الزوجى الذي فقدته في باكورة زواجها ، وإذا كان قد فقد أباه من قبل ، فقد كان ذلك هو في غيب الله المكنون ، وقد عوضه جده
هامش
( 1 ) يقول فيه صاحب الروض الأنف : وقيل سمى الأبواء ، لأن السبل كان يبوء فيه .