عطف الأب فلم يحس بألم الفقد ، لأنه لم يعلمه ، واستقبل الحياة بهذه الحال ، ولم يجعله جده عبد المطلب يحس بالفقد الذي لم يعه ، أما الأم فقد فقدها وهو في وعى ، وبعد أن ذاق حلاوة حنان الأم ، وإنه لا شئ يعوض عطف الأم الرؤم ، وهو حرمان من شئ موجود شعر به ، وأصابته لوعته ، علمته الصبر وعوده أخضر .
وزادت اللوعة ، وزاد معها الصبر ، أن الموت ، وهما غريبان ، وليس لهما إلا الصحراء ، وطريق مدعثر ، وشقة بعيدة ، لابد من قطعها ، فاجتمع ألم الغربة ، وألم الفقد ، وألم الانقطاع ، وصار الركب في رعاية الله تعالى الذي صنعه على عينه ، وذلك ليحس مع الصبر واحتمال الآلام كريم الرعاية الإلهية ، والعناية الربانية ، ويكون له من هذا زاد نفسي يذكره عندما يلاقى الشدائد في الدعوة إلى الحق ، ومناوأة الشرك وتكاثف المشركين عليه ، وتعرضه للأذى والتجائه إلى الله إذا أحس بالضعف .
وإن الذي حلمه ، وحل محل أمه في حضانته جارية حبشية ، وإذا كانت لم تعطه حنان الأم ، وعزة العطف ، فقد كلأته وحمته .
وإن ارتباط حياته الطاهرة بأمة حبشية تزويد من الله تعالى له بزاد إنساني . ليشعره بأن الناس سواسية ، وأن كل الفضل فيمن يحسن في عمله ، لا فيمن يفاخر بنسبه ، وإنها لحكمة عالية أن تكون الحاضنة التي لا يستغنى عنها محمد صلى الله عليه وسلم أمة حبشية ، لأنه تربية ربانية على المساواة الإنسانية ، وأنه لا شرف إلا بالنفع ، والعاطفة . لذلك لم يكن غريبا من الذي حضنته جارية حبشية أذاقته حب الأمومة . وإن كان دون حبها ، وأوصلته إلى جده محوطا بعناية الله وعطفها - أن يكون نصير الأرقاء ، والمانع للرق الإنسانى ، فليس غريبا أن يغضب أشد الغضب ، عندما يسمع بعض صحابته يعير اخر بقوله « يا ابن السوداء » ويقول في قوة : « لقد طفح الكيل ، لقد طفح الكيل ، لقد طفح الكيل ، ليس لابن البيضاء على ابن السوداء فضل إلا بالتقوى فمحمد ابن البيضاء حضنته السوداء فكان ابنا لهما معا » .
94 - ذاق حب الأم ، وذاق لوعة فراقه ، ولذلك زار قبرها ، بعد أن بلغ أشده ، وصار رجلا مكتملا سويا ورسولا نبيا ، جاء في الروض الأنف « وفي الحديث أن رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم زار قبر أمه بالأبواء . فبكى وأبكى » وهذا حديث صحيح ، وفي الصحيح أيضا أنه قال : « استأذنت ربى في زيارة قبر أمي ، فأذن لي واستأذنته أن أستغفر لها فلم يأذن لي » وفي سند البزاز من حديث بريدة أنه صلى الله تعالى عليه وسلم حين أراد أن يستغفر لأمه ضرب جبريل عليه السلام في صدره ، وقال له : لا تستغفر لمن كان مشركا ، فرجع وهو حزين . وفي حديث اخر ما يصححه ، وهو أن رجلا قال له : يا رسول الله أين
خاتم النبيين ( ص ) — صفحة 117
مساهمون: محمد ابو زهره
ص١١٧