تخطي إلى المحتوى الرئيسي

خاتم النبيين ( ص ) — صفحة 114

مساهمون:

ص١١٤
« وكان رد حليمة إياه إلى أمه ، وهو ابن خمس سنين وشهر فيما ذكر أبو عمرو ، ثم لم تره بعد ذلك إلا مرتين إحداهما بعد تزوجه خديجة رضى الله تعالى عنها ، جاءت إليه تشكو السنة ، وإن قومها قد استنوا ، فكلم لها خديجة فأعطتها عشرين رأسا من غنم وبكرين ، والمرة الثانية يوم حنين » . وإن هذين بلا شك خبران متناقضان : أحدهما يفيد أن أمه تسلمته عند بلوغه سنتين وشهرين أو ثلاثا ، والثاني يقرر أنها تسلمته بعد خمس سنين وأشهر . ولكن التوفيق بينهما ممكن بأن أخذها الأول لتضمه إليها ، ويكون في كنفها ، ولا يمنع ذلك من أن تجئ حليمة إليه تأخذه عندها الفينة بعد الفينة ، يستروح بنسيم الصحراء . وتتيمن به ظئره المخلصة العطوف ، أما حد التسليم بخمس سنين ، فهو عندما أخذته نهائيا أمه ، ولم يذهب بعد إلى بنى سعد . ولذلك قرروا أنها لم تره بعد ذلك إلا بعد أن اكتملت رجولته بتزوجه ، وبعد أن أبلغ رسالته ، وتذاكرت الركبان بنصرته في يوم حنين ، فقد دامت من بعد إقامته عند أمه ، ورحلت به إلى يثرب لتريه قبر أبيه ، ولتزوره هي وفاء لرجلها الطاهر الأمين . لقد سلمته حليمة إلى أهله ، وكان يتردد عليها برغبتها ، وأجازه أهلها ، وقد ذكر ابن إسحاق خبرين قد نوهنا إلى أحدهما ، ولم نذكر الاخر ، وقد كان السبب في ألا يقيم عندها إقامة ممتدة ، ولكن تأخذه الوقت بعد الاخر . أولهما أن ابن إسحاق قدر أنه زعم الناس فيما يتحدثون أن حليمة ظئره لما قدمت مكة به ضلت وهي مقبلة به نحو أهله ، فالتمسته فلم تجده ، فأمّت جده ، فقالت له إني قدمت بمحمد هذه الليلة ، فلما كنت بأعلى مكة أضلني الناس فوالله ما أدرى أين هو ؟ فقام عبد المطلب يدعو الله أن يرده ، فوجده ورقة ابن نوفل بن أسد ، ورجل اخر من قريش فأتيا به عبد المطلب ، فقالا له : هذا ابنك وجدناه بأعلى مكة ، فأخذه عبد المطلب ، فجعله على عنقه ، وهو يطوف بالكعبة يعوذه ويدعو له ، ثم أرسل به إلى أمه امنة . وقد ذكر هذا الخبر بن إسحاق ، وصدره بكلمة زعموا مما يدل على شكه ، ولكن لا موضع للشك فيه ، فالخبر في ذاته مقبول ، وهو يدل على عظيم حدب جده عليه ، وحرص حليمة ، ومحبة قريش له . ولكن هل هذا كان في تسليمها الأول ، أو في تسليمه في المرات التي كان يتردد عندها ، تيمنا لجواره وقربه منها ، وقبول أمه لذلك ليستروح هواء البادية ، وتتقى أسقامه بها .
خاتم النبيين ( ص ) — صفحة 114 | محمد ابو زهره