المبحث الثالث : حكم تعلم القران الكريم وتعليمه :
وبعد ما تقدم لا بد من الخوض بشيء من التفصيل الفقهي في حكم تعليم القران وتعلمه وذلك في الجهتين اللتين تكونان الأمة ، وهاتان الجهتان تشكلان مطلبين :
المطلب الأول : على النبي صلّى اللّه عليه وسلّم .
المطلب الثاني : على الأمة .
المطلب الأول : حكم تعلم القران على النبي صلّى اللّه عليه وسلّم :
بعث النبي صلّى اللّه عليه وسلّم معلما ، وكان أول أدب قراني أدبه ربه سبحانه وتعالى به هو قوله جل جلاله :
اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ
( العلق : 1 ) ، مع أنه ليس بقارئ ولا كاتب فيكون المراد بالقراءة التلاوة عن ظهر قلب . . . وعلى هذا يكون تعلم القران الكريم وتعليمه جزا من حقيقة كونه نبيا ، وهو يمثل ماهية رسالته . . . فلا تتصور نبوته ، ولا تتأتى حقيقة رسالته إلا بكونه متعلما للقران الكريم من جبريل عليه السّلام ، معلما له للثقلين . . .
وهذا من أعظم أدلة وجوب حفظ القران عليه ، والحفظ يشكل أرقى صور تعلم كتاب اللّه تعالى ، ولذا اشتد حرصه صلّى اللّه عليه وسلّم على استظهار القران وحفظه أنه كان يحرك لسانه فيه في أشد حالات حرجه وشدته حتى قال اللّه عزّ وجلّ فقال له في سورة القيامة
لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ ( 16 ) إِنَّ عَلَيْنا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ ( 17 ) فَإِذا قَرَأْناهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ ( 18 ) ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنا بَيانَهُ
( القيامة : 16 - 19 ) ، وقال جل جلاله له في سورة طه
وَلا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضى إِلَيْكَ وَحْيُهُ وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْماً
( 114 ) ( طه : 114 ) ، « ومن هنا كان صلّى اللّه عليه وسلّم أول جامع للقران في قلبه الشريف ، وسيد الحفاظ في عصره المنيف ، ومرجع المسلمين في كل ما يعنيهم من أمر القران