ويتضح أن ( علم القران ) هو أساس بقية العلوم :
في تقديم التلاوة على تعليم الكتاب والحكمة ، فقد تكرر بذلك تعليم القران في التلاوة ثم في تعليم الكتاب لأن تعليم ألفاظ القران تدخل في ذلك دخولا أوليا ، فهو أساس وظائف النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ، فالتلاوة أساس التعليم ، والتعليم أساس التزكية كما في قوله عزّ وجلّ
وَما يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى
إذ كان المطلوب من النبي صلّى اللّه عليه وسلّم أن يقرئ ابن أم مكتوم رضي اللّه عنه ، وكان علم نقل اللفظ القراني أساس العلوم الشرعية الأخرى وعليها تأسس بناؤها ثم شمخ واشمخر ، فالألفاظ أساس التفسير ، والمباني أوعية المعاني ، ولذا عرفوا علم التفسير بما يفيد شمول نقل علم اللفظ القراني : فقالوا : « هو العلم الباحث عن أحوال ألفاظ كلام اللّه سبحانه وتعالى من حيث الدلالة على مراد اللّه تعالى » « 1 » ، ففي كل ذلك يكون علم القران في مقدمات مصادر علم التفسير .
وكون الإقراء هو الأساس بالنسبة إلى تعليم العلوم الأخرى :
مما عرفه السلف فقد سئل ابن محيريز عن مسألة فقال للسائل : ما تصنع بالمسائل ؟ قال : لولا المسائل لذهب العلم قال : لا تقل ذهب العلم ، إنّه لا يذهب العلم ما قرئ القران ولكن لو قلت يذهب الفقه ، وعن الوليد بن مسلم قال : كنا إذا جالسنا الأوزاعي فرأى فينا حدثا قال : يا غلام ! قرأت القران ؟ فإن قال : نعم قال : اقرأ
يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ
( النساء : 11 ) ، وإن قال : لا ! قال : اذهب تعلم القران قبل أن تطلب العلم ، وعن أبي هشام الرفاعي يقول :
كان يحيى بن يمان إذا جاءه غلام أمرد استقرأه رأس سبعين من الأعراف ، ورأس سبعين من يوسف فإن قرأه حدّثه وإلا لم يحدثه « 2 » .
هامش
( 1 ) انظر : كشف الظنون ( 1 / 427 ) ، مرجع سابق .
( 2 ) الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع ( 1 / 80 ) .