تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الفخرى في الآداب السلطانية والدول الاسلامية — صفحة 30

مساهمون:

ص٣٠
ومنها السّياسة : وهي رأس مال الملك ، وعليها التّعويل في حقن الدماء ، وحفظ الأموال ، ومنع الشّرور ، وقمع الدعّار [ 1 ] والمفسدين ، والمنع من التظالم المؤدّي إلى الفتنة والاضطراب . ومنها الوفاء بالعهد : قال تعالى سلطانه : وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كانَ مَسْؤُلًا 17 : 34 [ 2 ] . وهو الأصل في تسكين القلوب ، وطمأنينة النفوس ، ووثوق الرعيّة بالملك إذا طلب الأمان منه خائف ، أو أراد المعاهدة منه معاهد . ومنها الاطّلاع على غوامض أحوال المملكة ودقائق أمور الرعيّة ، ومجازاة المحسن على إحسانه والمسئ على إساءته . كان أردشير [ 3 ] الملك يقول لمن شاء من أشراف رعيّته وأوضاعهم : كان البارحة من حالك كيت وكيت حتّى صار يقال إنّ أردشير يأتيه ملك من السّماء يخبره بالأمور . وما ذاك إلا لتيقظه وتصفّحه . فهذه عشر خصال من خصال الخير ، من كنّ فيه استحقّ الرئاسة الكبرى . ولو نظر أصحاب الآراء والمذاهب حقّ النظر ، وتركوا الهوى ، لكانت هذه الشرائط هي المعتبرة في استحقاق الإمامة ، وما عداها فغير طائل . وقال بزرجمهر [ 4 ] . ينبغي أن يكون الملك كالأرض في كتمان سرّه وصبره ، وكالنار على أهل الفساد وكالماء في لينه لمن لاينه ، وينبغي أن يكون أسمع من فرس ، وأبصر من عقاب ، وأهدى من قطاة ، وأشدّ حذرا من غراب ، وأعظم إقداما من الأسد ، وأقوى وأسرع وثوبا من الفهد وينبغي للملك ألا يستبدّ برأيه وأن يشاور في الملمّات خواصّ الناس وعقلاءهم ومن يتفرّس فيه الذكاء والعقل وجودة الرّأي ، وصحّة التمييز ومعرفة الأمور . ولا ينبغي أن تمنعه عزّة الملك من إيناس المستشار به وبسطه ، واستمالة قلبه حتى يمحضه النّصيحة فإن أحدا لا ينصح بالقسر ولا يعطي نصيحته إلا بالرّغبة ، وما أحسن قول الشاعر في هذا المعنى :
هامش
[ 1 ] الدّعّار : جمع داعر ، وهو الفاسق المجاهر . [ 2 ] سورة الإسراء ، الآية / 34 / . . [ 3 ] أردشير : مؤسس المملكة الساسانية من الفرس . ولعلّ الكلمة تعني مطلق الملك بالفارسية . [ 4 ] بزرجمهر : وزير وحكيم فارسي ، سبقت ترجمته .
الفخرى في الآداب السلطانية والدول الاسلامية — صفحة 30 | محمد بن علي بن طباطبا ( ابن الطقطقي ) / عبد القادر محمد مايو