تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الفخرى في الآداب السلطانية والدول الاسلامية — صفحة 31

مساهمون:

ص٣١
أهان وأقصى ثم يستنصحونني * ومن ذا الّذي يعطي نصيحته قسرا ؟ !
( طويل ) قال الله تعالى : وَشاوِرْهُمْ في الْأَمْرِ 3 : 159 وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يشاور أصحابه دائما . لمّا كانت وقعة بدر [ 1 ] خرج - صلّى الله عليه وسلّم - من المدينة في جماعة من المسلمين ، فلما وصلوا بدرا نزلوا على غير ماء ، فقام إليه رجل [ 2 ] من أصحابه وقال : يا رسول الله : نزولك ها هنا شيء أمرك الله به أو هو من عند نفسك قال : بل هو من عند نفسي ، قال يا رسول الله : إن الصّواب أن ترحل وتنزل على الماء فيكون الماء عندنا ، فلا نخاف العطش ، وإذا جاء المشركون لا يجدون ماء ، فيكون ذلك معينا لنا عليهم ، قال رسول الله ، صدقت ، ثم أمر بالرحيل ، ونزل على الماء ، واختلف المتكلّمون في كون الله تعالى أمر رسوله بالاستشارة ، مع أنه أيّده ووفّقه ، وفي ذلك أربعة وجوه : أحدها : أنّه - عليه السلام - أمر بمشاورة الصحابة استمالة لقلوبهم وتطييبا لنفوسهم . والثاني : أنه أمر بمشاورتهم في الحرب ليستقرّ له الرأي الصحيح فيعمل عليه . والثالث : أنه أمر بمشاورتهم لما فيها من النفع والمصلحة . والرابع : أنه إنما أمر بمشاورتهم ليقتدي به الناس ، وهذا عندي أحسن الوجوه وأصلحها . قالوا : الخطأ مع المشورة ، أصلح من الصواب مع الانفراد والاستبداد ، وقال صاحب كليلة ودمنة [ 3 ] : لا بدّ لملك من مستشار مأمور يفضي إليه بسرّه ، ويعاونه على رأيه ، فإن المستشير - وإن كان أفضل من المستشار وأكمل عقلا وأصحّ رأيا - قد يزداد برأي المشير رأيا ، كما تزداد النار بالدّهن ضوءا ونورا ، قال الشاعر :
هامش
[ 1 ] انظر خبر موقعة بدر في سيرة ابن هشام أو مختصر السيرة بإعداد محمد عفيف الزعبي ص / 122 / . [ 2 ] هو الحباب بن المنذر . انظر مختصر السيرة ص / 122 / . [ 3 ] لعلّه قصد بزرجمهر الوزير الحكيم الفارسيّ ، أو عبد الله بن المقفع المترجم لكليلة ودمنة عن الفارسيّة .