تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الفخرى في الآداب السلطانية والدول الاسلامية — صفحة 27

مساهمون:

ص٢٧
ومنهم من يرى أنّ الحقد خصلة محمودة في الملك ، قال بزرجمهر [ 1 ] : يجب أن يكون الملك أحقد من جمل ، وأنا أناظره في هذا القول فأقول : كيف يقال كذلك والملك متى كان حقودا فسدت نيته لرعيّته فمقتهم ، وقلّل الالتفات إليهم بالشفقة عليهم ومتى أحسّوا بذلك تغيّرت نياتهم له ، وفسدت بواطنهم ، وهل يتمكّن الملك مما يريده من مهمّات مملكته ، وبلوغ أغراضه كما في نفسه ، إلّا بصفاء قلوب رعيّته ؟ وأيّ حكمة في ذلك ؟ وهل فيه سوى تنغيص عيش الملك وتبغيض رعيّته إليه ، وإيحاشهم منه ؟ قال شاعر العرب [ 2 ] :
ولا أحمل الحقد القديم عليهم * وليس رئيس القوم من يحمل الحقدا
( طويل ) خصوصا والناس مركّبون على الخطأ ، ومجبولون على تشمير الطباع ، فما أكثر ما تصدر منهم موجبات الحقد ! فلا يزال الملك طول دهره يعاني من الغيظ والحقد عليهم ، ما ينغّص عليه لذّته ، ويشغله عن كثير من مهام مملكته ، وما أكثر ما رأينا الرعيّة أو الجند قد وثبوا على ملوكهم ، فسلبوهم رداء المملكة بل رداء الحياة ! فابتدئ من عمر بن الخطاب ، وقد وثب عليه لؤلؤة [ 3 ] عبد المغيرة بن شعبة فقتله ، ثم ثنّ بعثمان بن عفان - رضي الله عنه - وانظر كيف اجتمع عليه رعيّته من كلّ جانب ، فحاصروه في داره أيّاما ثم دخلوا عليه فقتلوه ، والمصحف في حجره حتى قطرت قطرات من دمه على المصحف ، ثم ثلث بعليّ بن أبي طالب - عليه السلام - وقد ضربه عبد الرحمن بن ملجم - لعنه الله - بسيفه على أمّ رأسه
هامش
[ 1 ] بزرجمهر : ابن البختكان ، وزير حكيم فارسيّ له قصة تاريخ انتساخ كتاب « كليلة ودمنة » وله حكم منثورة في كتاب « عيون الأخبار » لابن قتيبة . [ 2 ] شاعر العرب : عنى به هنا المقنع الكندي ، وقد اشتهر بقصيدته الفخرية الداليّة التي منها هذا البيت . اسمه محمد بن عميرة وهو من شعراء العصر الأموي توفي نحو / 70 / ه . [ 3 ] هو أبو لؤلؤة المجوسيّ الفارسيّ . انظر حدث الاغتيال في « تاريخ الخلفاء » لجلال الدين السيوطي . طبع دار القلم العربيّ بحلب ص 142 . وستلي أخبار مصارع الخلفاء الراشدين في صفحات لاحقة .