تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الفخرى في الآداب السلطانية والدول الاسلامية — صفحة 32

مساهمون:

ص٣٢
إذا أعوز الرأي المشورة فاستشر * برأي نصيح أو مشورة حازم [ 1 ]
( طويل ) واعلم أنّ للملك أمورا تخصّه يتميز بها عن السوقة ، فمنها : أنه إذا أحبّ شيئا أحبه الناس ، وإذا أبغض شيئا أبغضه الناس ، وإذا لهج بشيء لهج به الناس إمّا طبعا أو تطبّعا ، ليتقربوا بذلك إلى قلبه ، ولذلك قيل : الناس على دين ملوكهم فانظر كيف كان زيّ الناس في زمن الخلفاء ، فلما ملكت هذه الدولة - أسبغ الله إحسانها وأعلى شأنها - غيّر الناس زيّهم في جميع الأشياء ، ودخلوا في زيّ ملوكهم بالنطق واللباس ، والآلات والرّسوم والآداب ، من غير أن يكلّفوهم ذلك أو يأمروهم به أو ينهوهم عنه ، ولكنهم علموا أن زيّهم الأوّل مستهجن في نظرهم ، مناف لاختيارهم فتقرّبوا إليهم بزيّهم وما زال الملوك في كلّ زمان يختارون زيّا وفنّا ، فيميل الناس إليه ويلهجون به ، وهذا من خواصّ الدولة وأسرار الملك . ومن خواصّ الملك : أن صحبته تورث التيه والكبر ، وتقوّي القلب وتكبّر النفس وليس صحبة غير الملك تفعل ذلك ، ومن خواصّه : أنه إذا أعرض عن إنسان وجد ذلك الإنسان في نفسه ضعفا ، وإن لم ينله بمكروه ، وإذا أقبل على إنسان وجد ذلك الإنسان في نفسه قوّة ، وإن لم يصبه منه خير ، بل مجرّد الإعراض ، والإقبال يفعل ذلك ، وليس أحد من الناس بهذه المنزلة غير السّلطان . وأما الخصال التي يستحبّ أن تكون معدومة فيه : فقد ذكرها ابن المقفع في كلام له قال : ليس للملك أن يغضب ، لأنّ القدرة من وراء حاجته ، وليس له أن يكذب لأنه لا يقدر أحد على إلزامه بغير ما يريد ، وليس له أن يبخل ، لأنه أقل الناس عذرا في خوف الفقر ، وليس له أن يكون حقودا ، لأن قدره قد عظم عن المجازاة لأحد على إساءة صدرت منه ، وليس له أن يحلف إذا حدّث ، لأن الّذي يحمل الإنسان على اليمين في حديثه خلال : إمّا مهانة يجدها في نفسه واحتياج إلى
هامش
[ 1 ] البيت للشاعر العباسي بشّار بن برد . والشائع في روايته :إذا بلغ الرأي المشورة فاستعن * برأي نصيح أو نصيحة حازموهو من قصيدة طويلة كانت في مدح إبراهيم بن عبد الله بن الحسن العلويّ ، فلمّا قتل ، جعلها بشّار في أبي جعفر المنصور ، الخليفة العبّاسي الثاني .