تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الفخرى في الآداب السلطانية والدول الاسلامية — صفحة 33

مساهمون:

ص٣٣
أن يصدّقه الناس ، وإمّا عيّ وحصر وعجز عن الكلام ، فيريد أن يجعل اليمين تتمة لكلامه أو حشوا فيه ، وإما أن يكون قد عرف أنه مشهور عند الناس بالكذب ، فهو يجعل نفسه بمنزلة من لا يصدّق ولا يقبل قوله إلّا باليمين ، وحينئذ كلّما ازداد إيمانا ازداد الناس له تكذيبا ، والملك بمعزل عن هذه الدنايا كلّها ، وقدره أكبر من ذلك . ومن الخصال التي يستحبّ أن تكون معدومة في الملك : الحدّة ، فإنّها ربّما أصدرت عنه فعلا يندم عليه حين لا ينفع الندم ، وأكثر ما ترى الحداد من الرّجال سريعي الرّجوع ، ولذلك قال - عليه الصلاة والسلام - : « خير أمّتي حدادها » . ومن الخصال التي يستحب عدمها في الملك : الضّجر والسّأم والملل ، فذلك من أضرّ الأمور وأفسدها لحاله . واعلم أنّ للملك على رعيّته حقوقا ، وأنّ لهم عليه حقوقا ، فأمّا الحقوق التي تجب للملك على رعيّته ، فمنها الطاعة : وهي الأصل الّذي ينتظم به صلاح أمور الجمهور ، ويتمكن به الملك من الإنصاف للضعيف من القويّ ، والقسمة بالحقّ ، وممّا جاء في التنزيل من الحثّ على ذلك - وهي الآية المشهورة في هذا المعنى - قوله تعالى : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا الله وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ 4 : 59 [ 1 ] . ومن أمثالهم : « لا إمرة لمن لا يطاع » [ 2 ] . ولم ينقل في تاريخ ولا تضمّنت سيرة من السير ، أنّ دولة من الدول رزقت من طاعة جندها ورعاياها ، ما رزقته هذه الدولة القاهرة المغوليّة [ 3 ] ، فإنّ طاعة جندها ورعاياها لها ، طاعة لم ترزقها دولة من الدّول . فأما الدّولة الكسرويّة [ 4 ] : فإنّها على عظمها وفخامتها ، لم تبلغ ذلك ، وقد
هامش
[ 1 ] سورة النساء ، الآية / 59 / . [ 2 ] نسب القول إلى الإمام علي بن أبي طالب بعبارة : لا رأي لمن لا يطاع . [ 3 ] الدولة المغوليّة : عنى بها الدولة التي أسّسها جنكيزخان وامتدّت على يدي سلالته إلى بغداد وغربيّ آسيا ، وحدّت توسّعها معركة عين جالوت عام / 658 / ه . [ 4 ] الدولة الكسرويّة : عنى بها الفارسية التي سمّي كلّ من ملوكها بكسرى .