تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الفخرى في الآداب السلطانية والدول الاسلامية — صفحة 238

مساهمون:

ص٢٣٨
وحبسه بسامرّا ، ثمّ كفله أهله فأطلق ، وانحدر إلى بغداد فأقام بها مدّة على حال غير مرضية من الفقر ، وكان - رضي الله عنه - دينا خيّرا أعمالا حسن السّيرة ، فرجع إلى سامرّا مرّة ثانية ، وكلّم بعض أمراء المتوكّل في حاله ، فأغلظ له وقال ، لأيّ حال يعطى مثلك ؟ فرجع إلى بغداد وانحدر منها إلى الكوفة ، ودعا الناس إلى الرضا من آل محمد ، فتبعه ناس من أهل الكوفة من ذوي البصائر في التشيّع ، وناس من الأعراب ووثب في الكوفة وأخذ ما في بيت المال ففرّقه على أصحابه ، وأخرج من في السّجون ، وطرد عن الكوفة عاملها وكثرت جموعه فأرسل إليه أمير بغداد - وهو محمّد بن عبد الله بن طاهر - عسكرا فالتقوا بشاهي وهي قرية قريبة من الكوفة - وكانت الغلبة لعسكر ابن طاهر ، وانكشف الغبار ويحيى بن عمر قتيل فحمل رأسه إلى محمّد بن عبد الله بن طاهر ببغداد ، فجلس محمّد بن عبد الله بن طاهر للهناء بذلك ، فدخل عليه الناس أفواجا يهنئونه ، وفي جملتهم رجل من ولد جعفر بن أبي طالب - عليهم السلام - فقال له أيّها الأمير : إنّك لتهنّأ بقتل رجل لو كان رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم حيّا لعزّي به ، فأطرق محمّد بن عبد الله ساعة ، ثم نهض وصرف الناس ، ورثاه الشّعراء ، فممّن رثاه ابن الروميّ [ 1 ] بجيميّته التي أوّلها :
أمامك فانظر أيّ نهجيك تنهج * طريقان شتّى : مستقيم وأعوج
ومنها :
سلام وريحان وروح ورحمة * عليك وممدود من الظلّ سجسج [ 2 ] ولا برح القاع الّذي أنت جاره * يرفّ عليه الأقحوان المفلّج [ 3 ]
هامش
[ 1 ] ابن الروميّ : أبو الحسن ، عليّ بن العبّاس بن جريج ، ولد ونشأ وتخرّج ببغداد ، أبدع في شعره وأفحش في هجائه كان قليل النّقلة والسفر ، كثير التشاؤم ، دسّ له السمّ القاسم بن عبيد الله وزير المعتضد فتوفي عام / 283 / ه . [ 2 ] سجسج : مبسوط ، رحب . [ 3 ] المفلّج : المتباعد في تويجاته كالأسنان المتباعدة ، وصف به الأقحوان وهو زهر بريّ أبيض مفلّج التّويجات .
الفخرى في الآداب السلطانية والدول الاسلامية — صفحة 238 | محمد بن علي بن طباطبا ( ابن الطقطقي ) / عبد القادر محمد مايو