تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الفخرى في الآداب السلطانية والدول الاسلامية — صفحة 143

مساهمون:

ص١٤٣
يضطرب ، وأمره في كلّ يوم يضعف . ثم بلغه أن الّذي تدعو الدعاة إليه هو إبراهيم بن محمّد بن عليّ بن عبد الله بن عبّاس أخو السفّاح والمنصور ، فأرسل إليه وقبض عليه ، وأحضره إلى حرّان فحبسه فيها ، ثمّ سمّه في الحبس فمات . ثمّ جرت بين أبي مسلم وبين نصر بن سيّار وغيره من أمراء خراسان حروب ووقائع ، كانت الغلبة فيها للمسوّدة وهم عسكر أبي مسلم ، وإنّما سمّوا - المسودة لأنّ الزّي الّذي اختاروه لبني العبّاس هو لون السّواد . فانظر إلى قدرة الله تعالى وأنه إذا أراد أمرا هيّأ أسبابه ، وإذا أراد أمرا فلا مردّ لأمره . لما قدّر الله انتقال الملك إلى بني العبّاس هيّأ جميع الأسباب - فكان إبراهيم الإمام ابن محمّد بن عليّ بن عبد الله بن العبّاس بالحجاز أو بالشام جالسا على مصلاه مشغولا بنفسه وعبادته ومصالح عياله ، ليس عنده من الدّنيا طائل ، وأهل خراسان يقاتلون عنه ويبذلون نفوسهم وأموالهم دونه ، وأكثرهم لا يعرفه ولا يفرّق بين اسمه وشخصه . وانظر إلى إبراهيم الإمام ، هو بتلك الحالة من الانقطاع بداره واعتزال الدّنيا وهو بالحجاز أو بالشام ، وله مثل هذا العسكر العظيم في خراسان يبذلون نفوسهم دونه ، لا ينفق عليهم مالا ، ولا يعطي أحدهم دابّة ولا سلاحا . بل هم يجبون إليه الأموال ويحملون إليه الخراج في كلّ سنة . ولما قدّر الله تعالى خذلان مروان ، وانقراض ملك بني أميّة ، وكان مروان خليفة مبايعا ، ومعه الجنود والأموال والسّلاح ، والدّنيا بأجمعها عنده ، والنّاس يتفرّقون عنه وأمره يضعف ، وحبله يضطرب ، فما زال يضمحلّ حتّى هزم وقتل ، فتعالى الله ! ! . ولمّا غلب أبو مسلم على خراسان واستولى على كورها [ 1 ] وقويت شوكته سار إلى العراق بالجنود . وكان لمّا قبض مروان على إبراهيم الإمام وحبسه بحرّان [ 2 ] وكان لهم بها شيعة - منهم أبو سلمة حفص بن سليمان الخلال . وكان من كبار
هامش
[ 1 ] كورها : قراها المسكونة ، جمع كورة : وهي البقعة المأهولة أو القرية . [ 2 ] حرّان : مدينة قديمة تقع ما بين النهرين في تركيا اليوم ، نقل إليها مروان بن محمّد الأموي مقرّ إدارته في أواخر أيّام الدولة الأمويّة .