الفصل الثامن عشر الجغرافيا الإقليمية بالشام وفلسطين في القرنين الرابع عشر والخامس عشر
لم ينتعش الأدب الجغرافي بصورة تسترعى النظر في الأقطار الواقعة إلى الشرق من مصر في القرون التي سبقت الغزو العثماني مباشرة ، ومن بين المصنفات ذات الطابع العام يمكن للشام أن تشير إلى مصنف واحد في الكوزموغرافيا اكتسب في الحقيقة رواجا منقطع النظير ولو أنه يمثل في واقع الأمر تدهورا لهذا النمط أكثر مما يمثل تقدما له . أما العدد غير القليل من المصنفات الذي ظهر في هذا العصر فيدخل في مجال الجغرافيا الإقليمية
( regional )
ويعالج الكلام بصورة خاصة على المدن الكبرى ؛ ويمكن لنا في هذا الصدد أن نتتبع وجود سلسلة يكمل بعضها البعض لا بصورة آلية بل تتميز عن بعضها البعض في اختلاف أغراضها . أما الأقطار الواقعة إلى الشرق من الشام فإنها لم تترك في هذا العصر أي أثر في الأدب العربي يستحق أن نقف عنده .
وبالرغم من أن المصنف الكوزموغرافى الذي أشرنا إليه يوجد في عدد من الطبعات والمخطوطات وأنه لم يختلف أحد حول عنوانه وهو « خريدة العجائب وفريدة الغرائب » 1 إلا أن بعض الإيهام يحيط بشخص مؤلفه . وتتفق معظم الآراء في الوقت الحاضر على أنه سراج الدين أبو حفص عمر بن الوردي ( توفى في عام 861 ه : 1457 2 ؛ وفي رواية أخرى حوالي عام 850 ه 1446 ) 3 . وقد نسب تأليف الكتاب لمدة طويلة إلى سميه زين الدين ابن الوردي الذي عاش قبل ذلك بقرن من الزمان ( توفى عام 749 ه 1349 ) 4 . وقد نشأ هذا الخلط في الوسط العربي نفسه وتردد صداه في بعض المخطوطات والمصنفات الببليوغرافية ومنها نفذ إلى الأوساط العلمية بأوروبا . وفيما يتعلق بابن الوردي الأول فإن معلوماتنا مفصلة أكثر ، من ذلك أنه عاش بالشام - - وكان لبعض الوقت قاضيا بحلب وخلف عددا من المؤلفات في مجال الفقه والأدب كما نال الشهرة كشاعر ، ولعل ذيوع صيته هو المسؤول أحيانا عن نسبة المصنف الكوزموغرافى إليه . وفي مقابل هذا فإننا لا نعرف شيئا عن ابن الوردي الأصغر ويلوح أنه سليل نفس الأسرة . وبما أن المصنف مرفوع إلى قائد قلعة حلب شاهين المؤيدى 5 فيوجد أساس متين للقول بأن المؤلف كان شاميا من أهل حلب 6 .
وينضم المصنف من حيث النوع إلى نمط الكوزموغرافيات المعروف لنا من مثال كوزموغرافيا القزويني والدمشقي وغيرهما . وهو يورد في البداية خارطة مستديرة للعالم مع وصف لها مفصل بما فيه الكفاية ؛ بعد هذا ينقسم العرض إلى أربعة عشر فصلا ( خمسة عشر أحيانا ) 7 ، وهذه الفصول وما بداخلها من تقسيمات