وقد سار المغرب على نهج المذهب القديم ، وتشير قرائن الأحوال إلى أنه كان في الطليعة بين البلدان العربية في إنتاجه الجغرافي . حقا إن الأنماط هناك لم تكن كثيرة بطبيعة الحال ، بل يمكن القول بأنها كانت قاصرة على نمط الرحلة وحده ، ولكن في مقابل هذا تنوعت أصنافه . وطبيعي أن تكون لكثرة الغالبة من بينها لرحلات الحج المختلفة ، ولكن وجدت إلى جانبها الرحلات في داخل البلاد نفسها وكان الغرض من هذه الأخيرة في الغالب كرحلات للتفتيش . وتتصف بالتنوع الطريف كما حدث من قبل السفارات الدبلوماسية التي اتجهت إلى أسبانيا والتي تقدم لنا مادة وافرة تساعدنا على فهم المؤلف نفسه والبلاد التي زارها ؛ أما المغرب فإنه يكاد يقدم لنا أكبر مؤرخ لهذا العصر ، وقد عرف عن هذا المؤرخ الاهتمام بالموضوعات الجغرافية وهو يسوقنا مع بعض المؤلفين الآخرين إلى القرن التاسع عشر بالتقريب . ومما يزيد في صعوبة دراسة هذا العصر أن عددا قليلا من بين آثاره قد رأى النور أضف إلى هذا أن المطبوع منها لم يكن دائما في متناول اليد ، كالطبعات الحجرية التي عملت بفاس مثلا .
أما مدّاح « المدن المقدسة » بفلسطين فقد كانوا في هذا العصر أيضا من بين السكان المحليين قبل كل شئ ، وكمثال لهذا نذكر اسم محمد بن محمد بن شرف الدين الخليلي المقدسي الذي تشير نسبته إلى مدينة حبرون الخليل وأغلب الظن أنه ولد بها ؛ وهو قد أمضى أيام الدراسة بمصر ولو أنه عاش بالقدس وتوفى بها عام 1148 ه - 1735 1 ؛ وقد شغل منصب القضاء في وطنه وارتبط بمسجد عمر وهذا يفسر بدوره اهتمامه بآثار فلسطين القديمة . أما رسالته الصغيرة الحجم والتي أتم تأليفها بعد عام 1122 ه - 1710 فتحمل عنوانا لا يخلو من الخلط هو « تاريخ بناء البيت المقدس » ، ذلك أن الكتاب يمثل في الواقع أنموذجا لما اصطلحنا على تسميته بأدب فلسطين الدعائى المعروف لنا جيدا والذي يعالج الكلام على القدس 2 .
ويقول المؤلف في مقدمة كتابه إن « المنصور المؤيد بالبرهان والسير في ساير الزمان » هو من يزور بيت المقدس وما حولها ؛ ويبين الباب الأول فضل الإقامة ببيت المقدس والعمارة فيه وما ينطوى على ذلك من الخير ، هذا على حين يبحث الباب الثاني في العيون والآبار ومنابع المياه ، والثالث فقط يبحث في تاريخ المدينة ولو أنه يحفل بكمية من الأشعار في مدح القدس وفلسطين ؛ أما الخاتمة فمكرسة بالطبع للكلام عن الأنبياء والصالحين ممن ارتبط اسمهم بالقدس وفلسطين . من هذا يتبين لنا أن المصنف يفتقر افتقارا تاما إلى الأصالة ، بل إنه يعتمد اعتمادا أساسيا على مصنف مجير الدين المعروف لنا جيدا من القرن السادس عشر هذا إلى جانب زيادات ليست بذات بال تتناول الكلام عن المباني التي زيدت مؤخرا وتتحدث عن بعض المتصوفين المدفونين بالقدس والمواضع المحيطة بها . وللمؤلف ميل واضح نحو الشعر ، - - فإلى جانب أربع قصائد له ولغيره يحتويها هذا المصنف نجد أحيانا في المخطوطات قصائد أخرى له في مدح مسجد القدس 3 .
وهناك مؤلفون من أقطار أخرى تشربوا حب فلسطين وتخصصوا في دراسة تلك البلاد ؛ ومن بين
تاريخ الأدب الجغرافي العربي — صفحة 754
مساهمون: اغناطيوس يوليانوفتش كراتشكوفسكي
ص٧٥٤