تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تاريخ الأدب الجغرافي العربي — صفحة 753

مساهمون:

ص٧٥٣

الفصل الرابع والعشرون القرن الثامن عشر

يقدم لنا القرن الثامن عشر لوحة للأدب الجغرافي معروفة لنا جيدا من العهود السابقة ، فقد انتعش فيه بصورة كثيفة نمطان فقط أحدهما هو الجغرافيا الإقليمية من طراز « الفضائل » والآخر نمط الرحلة . وكلا النمطين ارتبط ارتباطا وثيقا « بالأماكن المقدسة » الإسلامية والمسيحية على السواء ، إما على هيئة وصف لها أو رحلة إليها . وكما كان عليه الحال من قبل فإن الرحلة كثيرا ما استندت على أساس ترجمة شخصية لحياة الرحالة نفسه قد تتحول أحيانا إما إلى معجم للسير يترجم فيه لشيوخه وللعلماء الذين التقى بهم وإما إلى مختارات أدبية
( anthology )
تعطى فكرة جيدة عن الذوق الأدبي لعصره ولكن يحتل الجانب الجغرافي فيها مكانة ثانوية . هذا وقد ظلت منتعشة في ذلك العهد أيضا سلسلة الرحلات التي خرجت من الوسط العربي المسيحي ؛ وكان القرن الثامن عشر بالنسبة لذلك الوسط عهد نهضة أدبية فقد بلغت فيه أوصاف الرحلات ، بعكس ما كان عليه الحال من قبل ، درجة رفيعة من الصياغة الفنية . وهذه الرحلات الأخيرة قد انجهت في جوهرها إلى رومة وفلسطين وسينا ، كما أن بعضها وجد طريقه إلى مصر ؛ أضف إلى هذا أنه كان ينعكس في بعضها الآخر من وقت لوقت صدى الاهتمام بروسيا . وكما حدث من قبل فقد ظلت كل من سوريا والمغرب المورد الرئيسي للأدب غير أنه يجب أن نشير بصفة خاصة إلى أن زيادة الاهتمام بسوريا دون غيرها من البلاد إنما مرده إلى أن عددا كبيرا من المصنفات التي تم تأليفها هناك موجود في مجموعات المخطوطات بمعهد الدراسات الشرقية التابع لأكاديمية العلوم السوفيتية وأيضا بمدينة برلين ، ومما يميز عددا كبيرا من الرحالة السوريين هو معرفتهم الوثيقة بالقسطنطينية . أما في بقية البلاد العربية فإن المصنفات الجغرافية يمكن تتبعها في حالات منفردة ، والعراق مثلا تقدم لنا أثرا طريفا يكشف عن جانب من ظروف الصراع بين الفرس والأتراك في عهد نادر شاه ؛ وأما مكة فقد ظلت محتفظة بأهميتها كمركز للدراسات الدينية ووجد بها عدد كبير من المؤلفين ممن مسوا الموضوعات الجغرافية ولومسا رفيقا ؛ وعلاقة هؤلاء المؤلفين الوثيقة بالهند قد جعلت من مصنفاتهم في بعض الأحايين مصادر - - ذات قيمة بالنسبة لجغرافيا الهند أو إيران أما المركز الثاني للعلوم الدينية الذي ظل يلعب دورا كبيرا في العالم الإسلامي وهو الجامع الأزهر فإنه لم يهتم للجغرافيا إطلاقا ؛ والاستثناء الوحيد في هذا الصدد يمثله معجم ضخم يعكس صدى متأخرا لطراز المعاجم الجغرافية الذي مربنا .