تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تاريخ الأدب الجغرافي العربي — صفحة 491

مساهمون:

ص٤٩١
التي وصلتنا بخط يده ؛ وعلى أية حال فإن الشكل الأول هو الشكل المستعمل في كتب الأدب ومن المستحسن أن نتمسك به 138 . وابن إياس سليل أسرة من المماليك الجراكسة ، وكان بمقدوره أن يستمر في نشاطه العلمي دون أن تدفعه الحاجة ليشتغل بالتدريس أو بوظيفة حكومية يرتزق منها كما هو الحال مع بقية علماء ذلك الوقت 139 . وقد سمح له هذا الوضع إلى حد ما بالتزام الحياد في تأليفه ولم يضطره إلى أن يعكس وجهات نظر الدوائر الرسمية ولو أنه حرمه من الوصول إلى الوثائق الحكومية ؛ بيد أن النتائج الإيجابية لهذا قد رجحت كفتها في آخر الأمر فنال ابن إياس بجدارة الشهرة كمؤرخ كبير . وصل ابن إياس بتاريخه إلى عام 928 ه - 1522 ، وهو يمتاز في الأقسام الأخيرة بالإسهاب والإفاضة بحيث يتحول إلى حوليات تاريخية
( Chronique )
بل وإلى سجل للحوادث اليومية في بعض مواضعه ؛ وبصرف النظر عن محتوياته فإن الكتاب يكتسب أهمية خاصة لأن ابن إياس هو المؤرخ العربي الوحيد الذي دون أخبار الفتح العثماني وآخر مؤرخ لمصر المملوكية فهو بهذا يختتم سلسلة الآثار التاريخية المجيدة التي تقف شاهدا على انتعاش هذا الفرع من الأدب في تلك العهود . وتاريخ مسودات ابن إياس حافل بما فيه الكفاية ، فقد وصلنا عدد كبير من الأجزاء بعضها بخط يد المؤلف نفسه وبعضها منقول من النسخ التي بخط يده ، كما وصلنا أيضا ثلاث مسودات مختلفة لتاريخه هي المطولة والوسطى والمختصرة . ونتيجة لنشر الأقسام الأخيرة من تاريخه ، وهي أقيمها ، على يد بأول كاله
Paul Kahle
فإنه يوجد بين أيدينا الآن أساس متين لدراسة تاريخ ابن إياس دراسة دقيقة تشمل لغته الكتابية التي تعكس أسلوب الكلام البسيط بل ولا تخلو من تأثير العامية أحيانا 140 . - - وقد اعتمد الناشر في طبعه لهذا القسم من تاريخ ابن إياس على المخطوطة الفريدة الموجودة بمعهد الدراسات الشرقية . وكما ذكرنا من قبل فإن ابن إياس قد انتهى من تدوين سفره في الجغرافيا قبل سفره التاريخي وذلك في الرابع عشر من شهر شعبان سنة 922 ه - 12 سبتمبر 1516 141 ، وهو يحمل عنوان « نشق الأزهار في عجائب الأقطار » ولا يمكن بأية حال مقارنته بكتابه في التاريخ . وتحدث قراءته خيبة أمل كبيرة لولا أنه يجب أن نأخذ في حسابنا الأهداف التي وضعها المؤلف نصب عينيه والتي وضحها كما هي العادة في مقدمته كتابه حيث ترتسم بوضوح أمام ناظرنا هذه الأهداف المشوشة التي يختلط فيها التاريخ بالجغرافيا دون نظام . فهو يقول في مقدمته إنه سيتحدث في كتابه عن « عجائب مصر وأعمالها وما صنعت الحكماء فيها من الطلسمات المحكمة ، وطرف يسير من سير ملوكها القدماء وما صنعوا من الأبنية المحكمة في مصر وغيرها من البلاد . . وأخبار النيل والأهرام وعجائب البلاد التي من أعمال مصر وخططها وأقطارها » ؛ وتضيف نسخة خطية موجودة بالقاهرة إلى هذا في صفحة العنوان ما يلي : « وأخبار البلدان والبحار والأشجار والجزائر والجبال والعيون والأبيار والدور والكنائس والقصور » 142 . ولا يقتصر الأمر على مصر وحدها ولو أنه يفرد لها المكانة الأولى في الأقسام المختلفة من الكتاب ؛ غير أن الخلط في العرض يتفق اتفاقا تاما
تاريخ الأدب الجغرافي العربي — صفحة 491 | اغناطيوس يوليانوفتش كراتشكوفسكي / صلاح الدين عثمان هاشم / ابغور بابايف