تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تاريخ الأدب الجغرافي العربي — صفحة 492

مساهمون:

ص٤٩٢
مع الخلط الذي يسود مادة الكتاب . والكتاب يبدأ وفقا للتقاليد بعرض موجز للجغرافيا الفلكية وتقسيم الأرض إلى سبعة أقاليم ؛ ويبدأ وصف المناطق من المغرب الأقصى متدرجا نحو المغرب الأوسط فالمغرب الأدنى . وهو يولى اهتماما خاصا للإسكندرية وخراج مصر والنيل والسودان . وفي وسط الكتاب يقحم نفسه وصف للطريق من مصر إلى الشام ؛ ويلي هذا محاولة من المؤلف ليلتزم بعض الترتيب حينما يأخذ في الكلام على الشام تليها أرمينيا فأرض الجزيرة فالعراق ، ثم ينقطع حبل التسلسل عقب هذا . وحتى في هذه الأقسام برد ذكر المواضع الجغرافية تارة وفقا لحروف المعجم وطورا تتكرر داخل الأقسام المختلفة عدة مرات . بعد هذا يعالج المؤلف الكلام على موضوعات مختلفة ومتنوعة مثل المدن والأقطار والبحار والجزر والأنهار والجبال والأهرامات والأديرة والأعياد والتقويم القبطي . ويتناول ابن إياس في كتابه طرفا من أخبار اليمن والحجاز والهند والأندلس ورومة التي يتحدث عن بعض آثارها وصروحها ، بل ولا ينسى الكلام عن الروس والبلغار . وبهذا نجد أنفسنا أمام مصنف يمثل أنموذجا جيدا لذلك الضرب من التأليف الذي قصد به إمتاع الأدباء ، فهو بذلك ينتمى إلى تلك السلسلة التي بدأها ابن الفقيه بل ويختتمها في واقع الأمر . ومصنف ابن إياس في الجغرافيا لم يطبع إلى الآن ولكن يمكن الحكم عليه بصورة وافية من القطع التي نشرها في بداية القرن التاسع عشر لانجليه
L . M . Langles
وارنولد
F . A . Arnold
، ثم من مقال فون كريمر
A . V . Kremer
. وقد وصفه أمارى
Amari
في منتصف القرن الماضي بأنه مصنف « نقلي ثانوي للغاية » 143
una medioerissima compilazione
، - - هذا مع اعترافه بأن ابن إياس ربما كان قد رجع إلى مسودة للإدريسى غير معروفة لنا . ونفس هذا الحكم يصدق على بقية أقسام الكتاب فمادته نقلية صرفة ولكن تجد طريقها إليه من آن لآخر ومضات مشرقة ؛ فهو مثلا في وصفه لبلاد النوبة يرجع كالمقريزي إلى مصنف من القرن العاشر مفقود بالنسبة لنا هو كتاب الأسوانى 144 ، كما أنه يقدم لنا في القسم الذي أفرده لمصر قائمة بمقاييس فيضان النيل على ممر السنين تعتبر من أوسع ما عرف في هذا المجال ؛ وقد لفت لانجليه الأنظار إلى هذه القائمة ونشرها في كتابه الموما إليه . بيد أن هذا لا يمنعنا بالطبع من أن نسلم بأن ابن إياس يعتمد في جميع الأقسام الأخرى من مصنفه على مصادر كتابية لا يظهر مهارة خاصة في اختياره لها . وطريف في هذا الصدد القسم الذي يفرده للروس والبلغار ، فبالرغم من أنه كانت قد تجمعت معلومات جمة عن جنوبي روسيا في عهد دولة المماليك نتيجة لتوطد العلاقات مع دولة الأوردو الذهبي وأن عددا من المؤلفين المصريين قد أفاد منها كالعمرى والقلقشندي والعيني فإن ابن إياس يأبى إلا أن يورد معلومات قديمة ترجع إلى القرن العاشر مضيفا إليها رواية الأقليشى ، أي أبى حامد الغرناطي ، عن البلغار دون أن يرى لزاما عليه أن يستدرك على ذلك بقوله إنها ترجع إلى فترة تاريخية سابقة ؛ وهو كبقية المؤلفين السابقين عليه يقسم الروس إلى ثلاث طوائف 145