كالجبلين المقابلين كل واحد منهما على الآخر ، وفيهما كوى من طريق إلى طريق لينظر
بعضهم إلى بعض إذا ساروا فيه ليكون آنس لهم إذا نظر بعضهم إلى بعض ، فسلك كل
سبط من بني إسرائيل في طريق لا يخالطهم أحد من غيرهم ، وكانوا اثنى عشر سبطاً ،
فساروا في اثنى عشر طريقاً فقطعوا البحر ، وهو نهر النيل بين أيلة ، ومصر ، نصف النهار
في ست ساعات من النهار يوم الاثنين ، وهو يوم العاشر من المحرم ، فصام موسى ، عليه
السلام ، يوم العاشر شكراً لله عز وجل حين أنجاه الله عز وجل ، وأغرق عدوه فرعون ،
فمن ثم تصومه اليهود ، وسار فرعون وقومه في تمام ثمانية ساعات ، فلما توسطوا البحر
تفرقت الطرق عليهم ، فأغرقهم الله عز وجل أجمعين .
فذلك قوله تعالى : * ( وأزلفنا ثم الآخرين ) * [ آية : 64 ] يعنى هناك الآخرين ، قربناً
فرعون وجنوده في مسالك بني إسرائيل * ( وأنجينا موسى ومن معه أجمعين ) * [ آية : 65 ] من
الغرق فلم يبقى أحد إلا نجا * ( ثم أغرقنا الآخرين ) * [ آية : 66 ] يعنى فرعون وقومه في
تمام تسع ساعات من النهار ، ثم أوحى الله عز وجل إلى البحر ، فألقى فرعون على
الساحل في ساعة ، فتلك عشر ساعات ، وبقي من النهار ساعتان .
* ( إن في ذلك لآية ) * يقول : في هلاك فرعون وقومه لعبرة لمن بعدهم ، * ( وما كان أكثرهم مؤمنين ) * [ آية : 67 ] يقول : لم يكن أكثر أهل مصر مصدقين بتوحيد الله عز
وجل ، ولو كان أكثرهم مؤمنين لم يعذبوا في الدنيا ، ولم يؤمن من أهل مصر غير آسية
امرأة فرعون ، وحزقيل المؤمن من آل فرعون ، وفيه الماشطة ، ومريم ابنة ناموثية التي دلت
على عظام يوسف .
* ( وإن ربك لهو العزيز ) * في نقمته من أعدائه حين انتقم منهم * ( الرحيم ) * [ آية :
68 ] بالمؤمنين حين أنجاهم من العذاب ، وكان موسى بمصر ثلاثين سنة ، فلما قتل النفس
خرج إلى مدين هارباً على رجليه في الصيف بغير زاد ، وكان راعياً عشر سنين ، ثم بعثه
الله رسولاً وهو ابن أربعين سنة ، ثم دعا قومه ثلاثين سنة ، ثم قطع البحر ، فعاش خمسين
سنة ، فمات وهو ابن عشرين ومائة سنة صلى الله عليه وسلم ، وكان دعا فرعون وقومه عشر سنين ، فلما
أبوا أرسل الله عليهم الطوفان والجراد والقمل ، وإلى آخر الآية ، ثم لبث فيهم أيضاً
عشرين سنة كل ذلك ثلاثين سنة ، فلم يؤمنوا فأغرقهم الله أجمعين ، فعاش موسى ، عليه
تفسير مقاتل بن سليمان — صفحة 453
مساهمون: مقاتل بن سليمان
ص٤٥٣