تذلوا ، وذلك بمعصيتهم الله عز وجل .
فذلك قوله تعالى : * ( فإذا جاء وعدُ أُولهما ) * ، يعنى وقت أول الهلاكين ، * ( بعثنا عليكم عبادا لنا أولي بأس شديد ) * ، بختنصر المجوسي ملك بابل وأصحابه ، * ( فجاسوا خلال الديار ) * ، يعنى فقتل الناس في الأزقة ، وسبي ذراريهم ، وخرب بيت المقدس ،
وألقى فيه الجيف ، وحرق التوراة ، ورجع بالسبي إلى بابل ، فذلك قوله سبحانه : * ( وكان وعدا مفعولا ) * [ آية : 5 ] ، يعنى وعداً كائناً لا بد منه ، فكانوا ببابل سبعين سنة .
ثم إن الله عز وجل استنقذهم على يد كروس بن مزدك الفارس ، فردهم إلى بيت
المقدس ، فذلك قوله عز وجل : * ( ثم رددنا لكم الكرة عليهم وأمددناكم بأموال وبنين ) * ، حتى كثروا ، فذلك قوله عز وجل : * ( وجعلناكم أكثر نفيرا ) * [ آية : 6 ] ،
يعنى أكثر رجالاً منكم قبل ذلك ، فكانوا بها مائتي سنة وعشر سنين ، فيهم أنبياء .
ثم قال سبحانه : * ( إن أحسنتم ) * العمل لله بعد هذه المرة ، * ( أحسنتم لأنفسكم ) * ،
فلا تهلكوا ، * ( وإن أسأتم فلها ) * ، يعنى وإن عصيتم فعلى أنفسكم ، فعادوا إلى المعاصي
الثانية ، فسلط الله عليهم أيضاً انطباخوس بن سيس الرومي ملك أرض نينوي ، فذلك
قوله عز وجل * ( فإذا جاء وعد الآخرة ) * ، يعنى وقت آخر الهلاكين ، * ( لِيسوئوا
وجوهكم ) * ، يعنى ليقبح وجوهكم ، فقتلهم وسبي ذراريهم ، وخرب بيت المقدس ،
وألقى فيه الجيف ، وقتل علماءهم ، وحرق التوراة ، فذلك قوله عز وجل : * ( وليدخلواْ
المسجد ليدخلوا المسجدِ ) * ، يعنى بيت المقدس ، انطياخوس بن سيس ومن معه بيت
المقدس ، * ( كما دخلوه أول مرة ) * ، يقول : كما دخله بختنصر المجوسي وأصحابه قبل
ذلك ، قال سبحانه : * ( وليتبروا ما علوا تتبيرا ) * [ آية : 7 ] ، يقول عز وجل : وليدمروا ما
علوا ، يقول : ما ظهروا عليه تدميراً ، كقوله سبحانه في الفرقان : * ( وكلا تبرنا تتبيرا ) *
[ الفرقان : 39 ] ، يعنى وكلا دمرنا تدميراً .
ثم قال : * ( عسى ربكم أن يرحمكم ) * ، فلا يسلط عليكم القتل والسبي ، ثم إن الله عز
تفسير مقاتل بن سليمان — صفحة 250
مساهمون: مقاتل بن سليمان
ص٢٥٠