يؤمروا بمسح الرأس في التيمم ، * ( ما يريد الله ليجعل عليكم من حرج ) * ، يعني
ضيق في أمر دينكم ، إذ رخص لكم في التيمم ، * ( ولكن يريد ليطهركم ) * في أمر
دينكم من الأحداث والجنابة ، * ( وليتم نعمته عليكم ) * ، يعني إذ رخص لكم في
التيمم في السفر ، والجراح في الحضر ، * ( لعلكم تشكرون ) * [ آية : 6 ] رب هذه
النعم فتوحدونه ، فلما نزلت الرخصة ، قال أبو بكر الصديق ، رضي الله عنه ، لعائشة ،
رضوان الله عليها : والله ما علمتك إلا مباركة .
قوله سبحانه : * ( واذكروا نعمة الله عليكم وميثاقه الذي واثقكم به ) * ، يعني
بالإسلام يوم أخذ ميثاقكم على المعرفة بالله عز وجل والربوبية ، * ( إذ قلتم سمعنا وأطعنا ) * ، ذلك أن الله عز وجل أخذ الميثاق الأول على العباد حين خلقهم من صلب
آدم ، عليه السلام ، فذلك قوله عز وجل : * ( وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم قالوا بلى شهدنا ) * [ الأعراف : 172 ]
على أنفسنا ، فمن بلغ منهم العمل ، وأقر لله عز وجل بالإيمان به ، وبآياته ، وكتبه ،
ورسله ، والكتاب ، والملائكة ، والجنة ، والنار ، والحلال ، والحرام ، والأمر ، والنهى أن
يعمل بما أمر ، وينتهي عما نهى ، فإذا أوفى لله تعالى بهذا ، أوفى الله له بالجنة . .
فهذان ميثاقان ، ميثاق بالإيمان بالله ، وميثاق بالعمل ، فذلك قوله سبحانه في البقرة :
* ( سمعنا وأطعنا ) * [ البقرة : 285 ] ، سمعنا بالقرآن الذي جاء من عند الله ، وأطعنا الله
عز وجل فيه ، وذلك قوله سبحانه في التغابن : * ( فاتقوا الله ما استطعتم واسمعوا وأطيعوا ) * [ التغابن : 16 ] ، يقول : اسمعوا القرآن الذي جاء به محمد صلى الله عليه وسلم من عند الله عز
وجل ، وأطيعوا الله فيما أمركم ، فمن بلغ الحلم والعمل ولم يؤمن بالله عز وجل ولا
بالرسول والكتاب ، فقد نقض الميثاق الأول بالإيمان بالله عز وجل ، وبما أخذ الله تعالى
عليه حين خلقه وصار من الكافرين ، ومن أخذ الله عز وجل عليه الميثاق الأول ، ولم يبلغ
الحلم ، فإن الله عز وجل أعلم به .
قال : وسئل عبد الله بن عباس عن أطفال المشركين ، فقال : لقد أخذ الله عز وجل
الميثاق الأول عليهم ، فلم يدركوا أجلا ، ولم يأخذوا رزقا ، ولم يعملوا سيئة ، * ( ولا تزر وازرة وزر أخرى ) * [ الإسراء : 15 ] ، وماتوا على الميثاق الأول ، فالله أعلم بهم .
* ( واتقوا الله ) * ، ولا تنقضوا ذلك الميثاق ، * ( إن الله عليم بذات الصدور ) * [ آية : 7 ] ،
تفسير مقاتل بن سليمان — صفحة 283
مساهمون: مقاتل بن سليمان
ص٢٨٣