الوعد والوعيد ، وميزان المعرفة والسر الرضا والسخط وكفتاه الهرب والطلب ، وقد فسر
في غير هذا الموضع .
قوله تعالى : * ( ولقد خلقناكم ثم صورناكم ) * [ الآية : 11 ] .
قال بعضهم : أبدع الله الهياكل وأظهرها على أخلاق شتى وصور مختلفة ، وجعل
لكل شيء منها عيشا فعيش القلوب في الشهود ، وعيش النفوس في الوجود ، وعيش
العبد معبوده ، وعيش الخواص الإخلاص . وعيش الآخرة : العلم ، وعيش الدنيا : الجهل
والعمارة والاغترار بها .
قوله تعالى : * ( ثم قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس ) * [ الآية : 11 ] .
قال أبو حفص : عرف الملائكة استغناءه عن عبادتهم فقال * ( اسجدوا لآدم ) * ولو كان
سجودهم يزن عنده مثقال ذرة لما أمرهم بذلك ولصرف وجوههم إلى آدم ، فإن سجود
الملائكة وجميع خلقه لا يزيد في ملكه ، لأنه عزيز قبل أن يخلقهم وعزيز بعد أن يفنيهم
وعزيز حين يبعثهم وله العزة جميعا .
وقال بعضهم : قوله لإبليس أمر تكليف وقوله * ( اخرج منها ) * أمر إهانة ، ولولا ذلك
لامتنع منها كما امتنع من السجود ، وكان سجود الملائكة لآدم تحية له وطاعة لهم .
قوله تعالى : * ( ما منعك ألا تسجد إذ أمرتك ) * [ الآية : 12 ] .
قال الواسطي رحمة الله عليه : من استصحب كل نسك في الدنيا والآخرة ، فالجهل
وطنه والاعتراض عرضه ، والبعد من الله سببه ، لأن العبادات تقطع الدعيات ، ورؤية
النسك رؤية الأفعال والنفوس ، ولا متوتب على الله أشد من طالع نفسه بعين الرضا .
قوله تعالى : * ( أنا خير منه خلقتني من نار ) * .
قال بعضهم : لما نظر إلى الجوهر والعبادة ظن أنه المسكين خير ، وسبب فساد النفوس
من رؤية الطاعات .
وقيل : لما قال إبليس : ' أنا ' قيل له : إن عليك اللعنة ، ما أبعده إلا رؤية نفسه .
وقيل في قوله ' أنا خير منه ' توهم أن الجوهر من الكون على مثله وشكله في
الخلقة ، فضل من جهة الخلقة والجوهرية ، ولم يعلم ولم يتيقن أن الفضل من المتفضل
دون الجوهرية .
تفسير السلمي — صفحة 221
مساهمون: أبي عبد الرحمن محمد بن الحسين السُلمي
ص٢٢١