وقيل : معناه كيف تمنُّ علي بالتربية وقد استعبدت قومي ؟ ومن أُهين قومه ذّل ، فتعبيدك بني إسرائيل قد أحبط إحسانك إليَّ .
وقال الحسن : يقول : أخذت أموال بني إسرائيل وأنفقت منها عليَّ واتّخذتهم عبيداً .
وقوله سبحانه " * ( أن عبدّت بني إسرائيل ) * ) أي اتّخذتهم عبيداً ، يقال : عبّدته وأعبدته ، وأنشد الفرّاء :
علام يعبّدني قومي وقد كثرتْ
فيهم أباعر ما شاؤوا وعبدان
وله وجهان : أحدهما : النصب بنزع الخافض مجازه : بتعبيدك بني إسرائيل
والثاني : الرفع على البدل من النعمة .
" * ( قال فرعون وما ربُّ العالمين ) * ) وأيّ شيء ربّ العالمين الذي تزعم أنّك رسوله إليَّ ؟
" * ( قال ) * ) موسى ( عليه السلام ) * * ( ربّ السماوات والأرض وما بينهما إن كنتم موقنين ) * ) إنّه خلقها عن الكلبي .
وقال أهل المعاني : إن كنتم موقنين أي ما تعاينونه كما تعاينونه فكذلك فأيقنوا أنّ ربّنا هو ربّ السماوات والأرض .
* ( قال فرعون ) * * ( لمن حوله ) * ) من أشراف قومه ، قال ابن عباس : وكانوا خمسمائة رجل عليهم الأسورة محيلا لقوم موسى معجباً لقومه " * ( ألا تستمعون ) * ) فقال موسى مفهماً لهم وملزماً للحجة عليهم " * ( ربّكم وَرَبُّ آبائكم الأولين قال ) * ) فرعون " * ( إنَّ رسولكم الذي أُرسل إليكم لمجنون ) * ) يتكلّم بكلام لا يعقله ولا يعرف صحته . فقال موسى " * ( ربُّ المشرق والمغرب وما بينهما إن كنتم تعقلون ) * ) فقال فرعون حين لزمته الحجّة وانقطع عن الجواب تكبّراً عن الحق وتمادياً في الغي " * ( لئن اتخذت إلاهاً غيري لأجعلنك من المسجونين ) * ) المحبوسين .
قال الكلبي : وكان سجنه أشدّ من القتل ؛ لأنه كان يأخذ الرجل إذا سجنه فيطرحه في مكان وحدهُ فرداً لا يسمع ولا يبصر فيه شيئاً ، يهوى به في الأرض .
فقال له موسى حين توعدهُ بالسجن " * ( أولو جئتك بشيء مبين ) * ) يبيّن صدق قولي ، ومعنى الآية : أتفعل ذلك إنْ أتيتك بحجّة بيّنة ، وإنما قال ذلك موسى لأن من أخلاق الناس السكون إلى الإنصاف والإجابة إلى الحق بعد البيان .
فقال له فرعون " * ( فأت به ) * ) فإنّا لن نسجنك حينئذ " * ( إن كنت من الصادقين فألقى عصاه فإذا
الكشف والبيان عن تفسير القرآن ( تفسير الثعلبي ) — صفحة 162
مساهمون: الثعلبي
ص١٦٢