قال اللّه عز وجل " * ( ولا يحيطون به علماً ) * ) فكما تعرفه في الدنيا لا كالمعروفين فكذلك تراه في العقبى لا كالمرئيين .
قالوا : وقد ترى الشيء ولا تدركه كما أخبر اللّه تعالى عن قول أصحاب موسى ( عليه السلام ) حين قرب منهم فرعون " * ( إنا لمدركون ) * ) وكان قوم فرعون قد رأوا قوم موسى ولم يدركوهم لأن اللّه تعالى قد وعد نبيه موسى ( عليه السلام ) إنهم لا يدركون بقوله " * ( لا تخاف دركاً ولا تخشى ) * ) .
وكذلك قال سعيد بن المسيب : لا تحيط به الأبصار . وقال عطاء : كلّت أبصار المخلوقين عن الإحاطة به .
وقال الحسن : لا تقع عليه الأبصار ولا تدلّ عليه العقول ولا يدركه الإذعان .
يدلّ عليه ما روى عطية العوفي عن أبي سعيد الخدري عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله تعالى " * ( لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار ) * ) . قال : لو أن الجن والإنس والشياطين والملائكة منذ خلقوا إلى أن فنوا صفوا صفاً واحداً ما أحاطوا باللّه أبداً .
وأجراه بعضهم على النصوص . قال ابن عباس ومقاتل : معناه لا تدركه الأبصار في الدنيا وهو يرى في الآخرة " * ( وهو يدرك الأبصار ) * ) لا يخفى عليه شيء ولا يفوته .
وقيل : معناه لا تدركه أبصار الكافرين ، فأما المؤمنون فيرونه ، واللّه أعلم " * ( وهو اللطيف الخبير ) * ) .
قال أبو العالية : لطيف باستخراج الأشياء خبير بها .
وقال أكثر العلماء في معنى اللطيف . فقال الجنيد : اللطيف : من نوّر قلبك بالهدى وربي جسمك بالغدا ، وجعل لك الولاية في البلوى ويحرسك من لظى ويدخلك جنة المأوى .
وقيل : اللطيف الذي أنسى العباد ذنوبهم لئلاّ يخجلوا . وقيل : الذي ركّب من النطفة من ماء مهين وقيل : هو الذي يستقل الكثير من نعمه ويستكثر القليل من طاعة عباده .
قتادة : وقيل : اللطيف الذي يُغِير ولا يُغَير . وقيل : اللطيف الذي إن رجوته لبّاك وأن قصدته آواك ، وإن أحببته أدناك وإن أطعته كافاك ، وإن عصيته عافاك وإن أعرضت عنه دعاك ، وإن أقبلت إليه عداك .
وقيل : اللطيف : الذي لا يطلب من الأحباب الأحساب والأنساب . وقيل : اللطيف : الذي يغني المفتقر إليه ويعز المفتخر به . وقيل : اللطيف : من يكافي الوافي ويعفو عن الباقي . وقيل : اللطيف : من أمره تقريب ونهيه تأريب .
الكشف والبيان عن تفسير القرآن ( تفسير الثعلبي ) — صفحة 176
مساهمون: الثعلبي
ص١٧٦