وقال أهل المعاني : ابيضاض الوجوه : إشراقها واستبشارها وسرورها بعملها وثواب الله عز وجل ، واسودادها حزنها وكآبتها وكسوفها بعملها وبعذاب الله تعالى يدل عليه : " * ( للذين أحسنوا الحسنى وزيادة ) * ) الآية وقوله : " * ( والذين كسبوا السيئات جزاء سيئة بمثلها وترهقهم ذلة ) * ) ، وقوله : * ( وجوه يومئذ ناضرة ) * * ( ووجوه يومئذ باسرة ) * ) .
ثم بين حالهم ومآلهم فقال " * ( فأما الذين اسودت وجوههم أكفرتم ) * ) ، فيه اختصار يعني : فيقال لهم : أكفرتم بعد إيمانكم ؟ واختلفوا فيه ؛ فروى الربيع عن أبي العالية عن أُبيّ بن كعب أنهم كل من كفر بعد إيمانه بالله يوم الميثاق حين أخرجهم من صلب آدم ( عليه السلام ) وقال لهم : " * ( ألست بربكم قالوا بلى ) * ) ، فيعرفهم الله عز وجل يوم القيامة بكفرهم فيقول : " * ( أكفرتم بعد إيمانكم ) * ) يوم الميثاق .
قال الحسن : هم المنافقون أعطوا كلمة الإيمان بألسنتهم ، وأنكروها بقلوبهم وأعمالهم . وقال يونس بن أبي مسلم : سألت عكرمة عن هذه الآية فقال : لو فسرتها لم أخرج من تفسيرها ثلاثة أيام ، ولكني سأُجمل لك : هؤلاء قوم من أهل الكتاب كانوا مصدقين بأنبيائهم ، مصدقين بمحمد صلى الله عليه وسلم قبل أن يبعث ، ولما بعث كفروا به ، فذلك قوله " * ( أكفرتم بعد إيمانكم ) * ) .
وقال الآخرون : هم من أهل ملتنا .
قال الحارث الأعور : سمعت علياً ( رضي الله عنه ) على المنبر يقول : ( إن الرجل ليخرج من أهله فما يؤوب إليهم حتى يعمل عملاً يستوجب به الجنة ، وإنّ الرجل ليخرج من أهله فما يعود إليهم حتى يعمل عملاً يستوجب به النار ) . ثمّ قرأ " * ( يوم تبيض وجوه وتسود وجوه ) * ) الآية .
ثم نادى الذين كفروا بعد الإيمان ( أكفرتم ) ، يدل عليه حديث النبي صلى الله عليه وسلم ( يأتي على أُمتي زمان يصبح الرجل مؤمناً ويمسي كافراً يبيع دينه بعرض يسير من الدنيا ) .
وقال أبو أُمامة الباهلي : هم الخوارج . وقال قتادة : هم أهل البدع كلهم .
ودليل هذه التأويلات قوله : " * ( ويوم القيامة ترى الذين كذبوا على الله وجوههم مسودة ) * )
الكشف والبيان عن تفسير القرآن ( تفسير الثعلبي ) — صفحة 125
مساهمون: الثعلبي
ص١٢٥