والعبادات والرياضات من باب الشرائع والأخلاق والآداب وسائر الأعمال الصالحات
حتى يعود الحرث ناضرا بالغا إلى حد الكمال ، لترد الغنم إلى أصحابها عند حصول
الكمال ، فتصير محفوظة مرعية مسوسة مهذبة في الأعمال البهيمية بفضيلة العفة ، ويرد
الحرث إلى أربابه من الروح وقواه يانعا مثمرا بالعلوم والحكم ، متزينا بأزهار المعارف
والحقائق وأنوار التجليات والمشاهدات .
تفسير سورة الأنبياء من [ آية 79 - 82 ]
ولهذا قال : * ( ففهمناها سليمان ) * فإن العمل بالتقوى والرياضة على وفق الشرع
والحكمة العملية أبلغ في تحصيل الكمال وإبرازه إلى الفعل من العلم الكلي والفكر
والنظر والذوق والكشف * ( وكلا آتيناه حكما وعلما ) * إذ كل منهما على الصواب في رأيه
والحكمة النظرية والعملية والمكاشفة والمعاملة كلتاهما متعاضدتان في طلب الكمال ،
متوافقتان في تحصيل كرم الخصال بهما .
* ( وسخرنا مع داود ) * الفؤاد ، جبال الأعضاء * ( يسبحن ) * بألسنة خواصها التي أمرن
بها ويسرن معه بسيرتها المخصوصة بها فلا تعصي ولا تمتنع عليه ، فتكل وتثقل وتأبى
أمره ، بل تسير معه مأمورة بأمره ، منقادة مطواعة لتأدبها وارتياضها وتعودها بأمره ،
وتمرنها في الطاعات والعبادات ، وطير القوى الروحانية يسبحن بالأذكار والأفكار
والطيران في فضاء أرواح الأنوار * ( وكنا ) * قادرين على ذلك التسخير .
* ( وعلمناه صنعة لبوس لكم ) * من الورع والتقوى ونعم الدرع الحصين الورع
* ( لتحصنكم من ) * بأس القوى الغضبية السبعية واستيلاء الحرص والدواعي الطبيعة
والقوى الوهمية الشيطانية * ( فهل أنتم شاكرون ) * حق هذه النعمة بالتوجه إلى الحضرة
الربانية بالكلية .
* ( ولسليمان ) * أي : سخرنا لسليمان العقل العملي المتمكن على عرش النفس في
الصدر ريح الهوى * ( عاصفة ) * في هبوبها * ( تجري بأمره ) * مطيعة له إلى أرض البدن
المتدرب بالطاعة والأدب * ( التي باركنا فيها ) * بتثمير الأخلاق والملكات الفاضلة
والأعمال الصالحة * ( وكنا بكل شيء ) * من أسباب الكمال * ( عالمين ) * .
* ( ومن ) * شياطين الوهم والتخيل * ( من يغوصون له ) * في بحر الهيولي الجسمانية
يستخرجون درر المعاني الجزئية * ( ويعملون عملا دون ذلك ) * من التركيب والتفصيل
تفسير ابن عربي — صفحة 43
مساهمون: ابن عربي
ص٤٣