وقوله : * ( فلن أبرح الأرض حتى يأذن لي أبي ) * أي : لا أتحرك إلا بحكم العقل
دون الوهم إلى أن أموت ، وأمرهم بالرجوع إلى أبيهم سياسته إياهم بامتثال الأوامر
العقلية * ( وما شهدنا إلا بما علمنا ) * أي : إنا لا نعلم كون ذلك المتاع عند العاقلة
العملية إلا نقصاً وسرقة لعدم شعورنا به وبكونه كمالاً * ( وما كنا ) * حافظين للمعنى
العقلي العيني لأنا لا ندرك إلا ما في عالم الشهادة ، وكذا أهل قريتنا التي هي مدينة
البدن من القوى النباتية * ( والعير التي أقبلنا فيها ) * من القوى الحيوانية ، فاسألهم
ليخبروك بسرقة ابنك .
* ( قال بل سولت لكم أنفسكم أمرا ) * أي : زينت طبائعكم الجسمانية لكم أمر
التلذذ باللذات البدنية والشهوات الحسية فحسبتموها كمالاً ، وتتبع المعقولات والتزام
الشرائع والتآمر بالفضائل نقصاً * ( فصبر جميل ) * أي : فأمركم صبر جميل في العمل
بالشرائع والفضائل دائماً والوقوف مع حكم الشرع والعقل ، أو صبر جميل على
الاستمتاع على وجه الشرع أجمل بكم من الإباحة والاسترسال بحكم الطبيعة ، أو
فأمري صبر جميل في بقاء يوسف القلب وإخوته على استشراق الأنوار القدسية
واستنزال الأحكام الشرعية واستخراج قواعدها التي لا مدخل لي فيها ، فلا بد لي من
فراقهم إلى أوان فراغهم إلى رعاية مصالح الجانبين والوفاء بكلا الأمرين ، أي :
المعاش والمعاد ، فإن العقل كما يقتضي طلب الكمال وإصلاح المعاد ، يقتضي صلاح
البدن وترتيب المعاش وتعديل المزاج بالغذاء وتربية القوى باللذات ، أو فأمري صبر
جميل على ذلك * ( عسى الله أن يأتيني بهم جميعا ) * من جهة الأفق الأعلى والترقي عن
طوري إلى ما يقتضيه نظري ورأيي من مراعاة الطرفين ومقامي ومرتبتي من اختيار
التوسط بين المنزلتين * ( إنه هو العليم ) * بالحقائق * ( الحكيم ) * بتدبير العوالم ، فلا
يتركهم مراعين للجهة العلوية ، ذاهلين عن الجهة السفلية ، فيخرب مدينة البدن ويهلك
أهلها ، وذلك قبل التمتيع التام الذي أشرنا إليه إذ هو مقام الاجتهاد بعد الكشف
والسلوك في طريق الاستقامة بعد التوحيد .
[ تفسير سورة يوسف من آية 84 إلى آية 92 ]
تفسير ابن عربي — صفحة 353
مساهمون: ابن عربي
ص٣٥٣