ومعنى : * ( قالوا إن يسرق فقد سرق أخ له من قبل ) * أن القلب استعد لهذا
المعنى من قبل دون القوى ، فبقوا منكرين لهما ، متهمين إياهما عند أبيهما لتحصيل
مطالبهما وطلب لذة وراء ما يطلبونها . وقيل : كان لإبراهيم صلوات الله عليه وسلامه
منطقة يتوارثها أكابر أولاده ، فورثها من إسحق عمة يوسف لكونها كبرى من أولاده ،
وقد حضنته بعد وفاة أمه راحيل ، فلما شب أراد يعقوب انتزاعه منها ، فلم تصبر عنه ،
فحزمت المنطقة تحت ثيابه عليه السلام ثم قالت : إني فقدت المنطقة ، فلما وجدت
عليه سلم لها وتركه يعقوب عندها حتى ماتت . وهي إشارة إلى مقام الفتوة التي ورثها
من إبراهيم الروح قبل مقام الولاية وقت شبابه . وقد حزمتها عليه النفس المطمئنة التي
حضنتها وقت وفاة راحيل اللوامة . وإرادة انتزاع يعقوب إياه منها إشارة إلى أن العقل
يريد الترقي إلى كسب المعارف والحقائق ، وإذا وجده موصوفاً بالفضائل في مقام
الفتوة رضي به ، وتركه عند النفس المطمئنة سالكاً في طريق الفضائل حتى توفيت
بالفناء في الله في مقام الولاية والله أعلم .
وإسرار يوسف في نفسه كلمته علمه بقصورهم عن إدراك مقامه ونقصانهم عن
كماله ، وهي قوله : * ( أنتم شر مكانا ) * والذي اقترح أن يأخذه يوسف القلب مكان أخيه
العقل العملي هو الوهم لمداخلته في المعقولات ، وشوقه إلى الترقي إلى أفق العقل ،
وحكمه فيها لا على ما ينبغي وميلهم إلى سياسته إياهم دون العقل العملي للتناسب
الذي بينهم في التعلق بالمادة ونزوعه إلى تحصيل مآربهم من اللذات البدنية . ولما
وجد القلب متاعه من إدراك المعاني المعقولة عند العقل العملي دون الوهم * ( قال معاذ الله أن نأخذ إلا من وجدنا متاعنا عنده إنا ) * إن أخذنا الوهم مكانه وآويناه إلينا وألقينا
إليه ما ألقينا إلى أخينا كنا مرتكبين الظلم العظيم لوضعنا الشيء في غير محله
ويأسهم منه شعورهم بعدم تكفيل الوهم إياهم وتمتيعهم بدواعيه وحكمه _ وكبيرهم
الذي ذكرهم موثق أبيهم الذي هو الاعتقاد الإيماني ، وتفريطهم في يوسف عند
حكومة الوهم هو الفكر ، ولهذا قال المفسرون : هو الذي كان أحسنهم رأياً في يوسف
ومنعهم عن قتله .
تفسير ابن عربي — صفحة 352
مساهمون: ابن عربي
ص٣٥٢