* ( فإن لم تفعلوا ) * فأذعنوا وأسلموا وآمنوا ، واتركوا العناد المفضي بكم إلى
النار . فحذف الملزوم الذي هو الإيمان أو الإسلام ، وأقام لازمه الذي هو اتقاء النار
مقامه ليكون أدل على أن الإنكار موجب لدخول النار وحصول العذاب لهم . وقوله :
* ( ولن تفعلوا ) * اعتراض على طريق الإخبار بالغيب للعلم بامتناع عقول المحجوبين وعن
مثله . والمراد بالنار احتراقهم بثورة نفوسهم ، وشرر طباعهم المصروفة عن الروح
القدسي الروحاني ، والنسيم الذوقي الرحماني ، المحرومة عن لذة برد اليقين ، وسلامة
دار القرار المقطوعة بالمألوفات الحسية ، واللذات البدنية الممنوعة ، بما خبريت به
وألفته مع بقاء حنينها إليه وولهها ، ورسوخ هيئات التعلق بالأمور السفلية ، ومحبة
الأجساد الأرضية فيها التي هي سبب استيقاد نيرانها ، ولهذا قال : * ( وقودها الناس والحجارة ) * أي : الأمور الجاسية ، السفلية ، الصامتة ، التي تعلقوا بها بالمحبة فرسخت
صورها في أنفسهم ، وسجنت نفوسهم بميلهم إليها ، كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( ( المرء
يحشر مع من أحب حتى لو أحب أحدكم حجراً حشر معه ) ) ، وكيف لا ، وقد ركزت
صورته في نفسه بالمحبة بحيث صار صورة قلبه صورته .
وأعلم أن حرارة النار تابعة لصورتها النوعية التي هي روحانيتها وملكوتها ، وإلا
ساوت سائر الأجسام في خواصها ، وتلك الروحانية شر من نار ، قهر الله المعنوية
بعد تنزلها في مراتب كثيرة كتنزلها في مرتبة النفس بثورة الغضب ، إذ ربما تؤثر ثورة
الغضب في إحراق الأخلاق ما لا تؤثر النار في الحطب . ومن هذا يعلم أن كل
مسخن لا يجب أن يكون حاراً . وإذا كانت النار الجسمانية أثراً للنار الروحانية ، فلا
جرم أن إيلامها أشد وأدوم من إيلام هذه النار ، كيف وكل قوة جسمانية متناهية دون
القوى الروحانية ؟ ولهذا المعنى يقال : إن نار جهنم غسلت بالماء سبعين مرة ، ثم
أنزلت إلى الدنيا ليمكن الانتفاع بها * ( أعدت للكافرين ) * المحجوبين عن الدين
لانقطاعهم دون مرادهم .
[ آية 25 - 26 ]
* ( وبشر الذين آمنوا ) * بالصانع وعملوا ما يصلحهم للجنة بمقتضى علمهم بتوحيد
تفسير ابن عربي — صفحة 42
مساهمون: ابن عربي
ص٤٢