الحق وتنطق به ، وتراه في الظاهر لعدم فوائدها ، لانسداد الطرق من تلك المشاعر إلى
القلب لمكان الحجاب ، فلم يصل إليها نور القلب ليحتفظوا بفوائدها ولم ترد مدركاتها
على القلب ليفهموا ويعتبروا . * ( فهم لا يرجعون ) * إلى الله لوجود السدين المضروبين
على قلوبهم المذكورين في قوله : * ( وجعلنا من بين أيديهم سدا ومن خلفهم سدا ) * [ يس ،
الآية : 9 ] . وفائدة التشبيه تصوير المعقول بصورة المحسوس ، ليتمثل في نفوس العامة .
ثم شبههم ثانياً بقوم أصابهم مطر فيه ظلمات ورعد وبرق ، فالمطر هو نزول الوحي
الإلهي ووصول إمداد الرحمة إليهم ببركة صحبة المؤمنين ، وبقية استعدادهم مما يفيد
قلوبهم أدنى لين ، وحصول النعم الظاهرة لهم بموافقتهم في الظاهر .
[ آية 19 - 20 ]
والظلمات هي الصفات النفسانية ، والشكوك الخيالية والوهمية ، والوساوس
الشيطانية مما تحيرهم وتوحشهم . والرعد هو التهديد الإلهي والوعيد القهري الوارد
في القرآن والآيات والآثار المسموعة والمشاهدة مما يخوفهم فيفيد أدنى انكسار
لقلوبهم الطاغية وانهزام لنفوسهم الآبية . والبرق هو اللوامع النورية والتنبهات الروحية
عند سماع الوعد وتذكير الآلاء والنعماء مما يطمعهم ويرجيهم ، فيفيدهم أدنى شوق
وميل إلى الإجابة .
ومعنى * ( يجعلون أصابعهم في آذانهم من الصواعق حذر الموت ) * يتشاغلون عن
الفهم بالملاهي والملاعب عن سماع آيات الوعيد ، ولكي لا ينجع فيهم فيقطعهم عن
اللذات الطبيعية بهم الآخرة ، إذ الانقطاع عن اللذات الحسية هو موتهم ، والله قادر
عليهم ، قاطع إياهم عن تلك اللذات المألوفة بالموت الطبيعي ، قدرة المحيط بالشيء
الذي لا يفوته منه ، فلا فائدة لحذرهم .
* ( يكاد البرق ) * أي : اللامع النوري * ( يخطف أبصارهم ) * أي : عقولهم المحجوبة
بالنعاس عن نور الهداية والكشف ، إذ العقل بصر القلب * ( كلما أضاء لهم مشوا فيه ) *
أي : ترقوا وقربوا من قبول الحق والهدى ، * ( وإذا أظلم عليهم قاموا ) * أي : ثبتوا على
حيرتهم في ظلمتهم * ( ولو شاء الله لذهب بسمعهم وأبصارهم ) * لطمس أفهامهم
وعقولهم ، ومحا نور استعدادهم ، كما للفريق الأول فلم يتأثروا بسماع الوحي أصلاً
* ( إن الله على كل شيء قدير ) * الشيء الموجود الخارجي الواجب والممكن ، والموجود
الذهني الممكن والممتنع ، إذ اللاشيء هو المعدوم الصرف الذي ليس في الذهن ولا
تفسير ابن عربي — صفحة 39
مساهمون: ابن عربي
ص٣٩