روح العالم المسمى يمين الرحمن ، وآدم هو النفس الناطقة الكلية التي هي قلب
العالم . ومسحه ظهره تأثير العقل فيها وتنويره إياها بنوره بالاتصال الروحاني ، وإخراج
ذريته منه إيجاد النفوس الشخصية الجزئية التي كانت فيها بالقوة ، وإخراجها إلى
الفعل . وعهد الله إليهم بقوله : * ( ألست بربكم ) * إيداع علم التوحيد في ذواتهم وميثاق
ذلك العهد ركز أدلة التوحيد في عقولهم وإلزام ذلك العلم إياهم وجعله من اللوازم
الذاتية لهم ، بحيث إذا تجردوا عن الصفات النفسانية والغواشي الجسمانية تبين لهم
ذلك ، وانكشف عليهم أظهر شيء وأبينه وهو إشهادهم على أنفسهم لكون ذلك العلم
ضرورياً حينئذ ، وإجابتهم لذلك بقولهم : * ( بلي ) * قبولهم الذاتي له ، ونقض ذلك العهد
انهماكهم في اللذات البدنية والغواشي الطبيعية وتعبدهم لهواهم وشهواتهم ، بحيث
احتجبوا بها عن وحدة الله وتعبده ، وقطعهم ما أمر الله بوصله إعراضهم عن اتصال
روح القدس والمبادئ العالية والأرواح السماوية التي هي الملأ الأعلى ، وسكان
الحضرة الإلهية من أهل الجبروت والملكوت الذين يجانسونهم بذواتهم وصفاتهم ،
وهم أهل قرابتهم الحقيقية ، ورحمهم الظاهر المأمور بوصله حقيقة بتوجههم إلى العالم
السفلي ومحبتهم للجواهر الفاسقة المظلمة ، وعشقهم وشغفهم بالأمور الخسيسة
الفانية . ولهذا قال عليه صلى الله عليه وسلم : ( ( إن الله يحب معالي الأمور وأشرافها ،
ويبغض سفاسفها ) ) * ، إذ كلما كان مطلوب النفس أخس كانت عن العالم الشريف أبعد .
* ضروب الناس عشاق ضروبا
* فأغدرهم أشقهم جيوبا
*
وقد مر تفسير الإفساد في الأرض ، والخسران الذي هو تضييع الجوهر النوري
الباقي لأجل الظلماني الفاني .
[ آية 28 - 29 ]
* ( كيف تكفرون بالله ) * أي : على أي حال تحجبون عنه * ( و ) * الحال أنكم * ( كنتم
أمواتاً ) * نطفاً في أصلاب آبائكم * ( فأحياكم ) * أي : لم لا تستدلون بالخلق على الخالق
* ( ثم يميتكم ) * بالموت الطبيعي * ( ثم يحييكم ) * بالبعث ، إذ الأول معلوم بالمشاهدة ،
والثاني بالاستدلال عليه بالإنشاء الأول * ( ثم إليه ترجعون ) * للمجازاة ، أو ثم يميتكم
عن أنفسكم بالموت الإرادي الذي هو الفناء في الوحدة ثم يحييكم بالحياة الحقيقية
التي هي البقاء بعد الفناء بالوجود الموهوب الحقاني . ثم إليه ترجعون للمشاهدة إن
كانت الوحدة وحدة الصفات ، أو الشهود إن كانت وحدة الذات .
تفسير ابن عربي — صفحة 44
مساهمون: ابن عربي
ص٤٤