في الخارج ، لكن تعلق القدرة به خصصه بالممكن وأخرج عنه الواجب والممتنع
بدليل العقل .
هذا آخر الكلام في الأصناف السبعة على سبيل الإجمال ، وفصل بين فريقي
الأشقياء وأوجز ذكر الفريق الأول وأعرض عنهم ، إذ الكلام فيهم لا يجدي . وبالغ في
ذكر الفريق الثاني ، وذمهم ، وتعييرهم ، وتقبيح صورة حالهم ، وتهديدهم ، وإبعادهم ،
وتهجين سيرهم ، وعاداتهم لإمكان قبولهم للهداية وزوال مرضهم العارض ، واشتعال
نور قرائحهم بمدد التوفيق الإلهي عسى التقريع يكسر أعواد شكائمهم ، والتوبيخ يقلع
أصول رذائلهم ، فتتزكى بواطنهم وتتنور قلوبهم بنور الإرادة ، فيسلكوا طريق الحق .
ولعل موادعة المؤمنين وملاطفتهم إياهم ومجالستهم معهم ، تستميل طباعهم فتهيج
فيهم محبة ما ، وشوقاً تلين به قلوبهم إلى ذكر الله ، وتنقاد به نفوسهم لأمر الله ،
فيتوبوا ويصلحوا كما قال الله تعالى : [ إن المتافقين في الدرك الأسفل من النار ولن تجد لهم نصيراً إلا الذين تابوا وأصلحوا واعتصموا بالله وأخلصوا دينهم لله فإولئك المؤمنين وسوف يؤت الله المؤمنين أجراً عظيماً ) * [ النساء ، الآيات : 145 - 146 ] .
[ آية 21 - 22 ]
* ( يا أيها الناس ) * ثم لما فرغ من ذكر السعداء والأشقياء ، دعاهم إلى التوحيد .
وأول مراتب التوحيد : توحيد الأفعال ، فلهذا علق العبودية بالربوبية ليستأنسوا برؤية
النعمة ، فيحبوه ، كما قال : ( ( خلقت الخلق وتحببت إليهم بالنعم ) ) . فيشكروه بإزائها ، إذ
العبادة شكر فلا تكون إلا في مقابلة النعمة ، وخصص ربوبيته بهم ليخصوا عبادتهم
به ، وقصد رفع الحجاب الأول من الحجب الثلاثة التي هي حجب الأفعال والصفات
والذات ، ببيان تجلي الأفعال لأن الخلق في الثلاثة كلهم محجوبون عن الحق بالكون
مطلقاً ، فنسب إنشاءهم وإنشاء ما توقف عليه وجودهم من المبادئ والأسباب
والشرائط كمن قبلهم من الآباء والأمهات ، وجعل الأرض فراشاً لهم لتكون مقرهم
ومسكنهم ، وجعل السماء بناء لتظلهم ، وأنزل الماء من السماء وأخرج النبات به من
الأرض ليكون رزقاً لهم إلى نفسه لعلهم يتقون نسبة الفعل إلى غيره ، فيتنزهون عن
الشرك في الأفعال عند مشاهدة جميعها من الله ، ولهذا ذكر نتيجة هذه المقدمات بالفاء
فقال : * ( فلا تجعلوا لله أنداداً وأنتم تعلمون ) * ، ما ذكرنا من المقدمات كأنه قال : هو
الذي فعل هذه الأفعال ، فلا تحق العبادة إلا له ، ولا تنبغي أن تجعل لغيره ، فلا
تفسير ابن عربي — صفحة 40
مساهمون: ابن عربي
ص٤٠