الأفعال أن لهم مراداتهم ومشتهياتهم فوق ما تصوروا وتمنوا ، التنكير الجنات ،
والجنات الجارية من تحتها الأنهار أبهى وأطيب ما يكون من مقام ، وألذ وأحلى ما
يكون من مرام لأهل الدنيا ، فهي لنفوسهم من جنس جنات الدنيا ، وأصفى منها
بحسب المعاد الجسماني ، فإنه حق كما ستعلم . * ( كلما رزقوا منها من ثمرة رزقا قالوا هذا الذي رزقنا من قبل ) * في الدنيا ، فإنها مألوفهم * ( وأتوا ) * بالرزق * ( متشابها ) *
ولقلوبهم هي مقاماتهم ، كالتوكل مثلاً ، وروضات عالم القدوس التي تنشأ من كل
مرتبة منها أنهار علوم تنفع السالكين ، وتنفع علة المتعطشين المشتاقين . والثمرات هي
الحكم والمعارف ، وقولهم : * ( هذا الذي رزقنا من قبل ) * إشارة إلى أن تلك العلوم
والحكم كانت ثابتة للقلب حالة التجرد ، فاحتجبت عنها بالتوغل في الأمور الطبيعية
عند التعليق فنسيتها ، ثم تذكرت حين تجردت عن ملابسها لقوله عليه الصلاة والسلام :
( ( الحكمة ضالة المؤمن ) ) . والأزواج لنفوسهم الحور العين المطهرة عن الطمث
والفواحش ، ولقلوبهم النفوس القدسية المطهرة عن دنس الطبائع وكدر العناصر ، ولا
جنة لأرواحهم لاحتجابهم عن المشاهدة .
* ( إن الله لا يستحي ) * لا يمتنه المستحيي * ( أن يضرب مثلا ما بعوضة فما فوقها ) * إذ الكافر عنده أحقر من بعوضة ، والدنيا من جناحها ، كما نطلق به الحديث .
* ( أنه الحق من ربهم ) * لمناسبة الممثل به الممثل له * ( وما يضل به إلا الفاسقين ) * الذين
خرجوا من مقام القلب إلى مقام النفس ، ومن طاعة الرحمن إلى طاعة الشيطان . وهم
الفريق الثاني من الأشقياء لا الفريق الأول ، فإنهم ضالون في نفس الأمر على أي حال
كان لا به ولا بسبب آخر . وإضلالهم به مسبب عن فسقهم في الحقيقة ، إذ ترتيب
الحكم على الوصف يشعر بالعلية وهي زيادة عنادهم وإنكارهم وحقدهم وغلبة صفات
نفوسهم على قلوبهم بورود القرآن فيزيدهم بعداً وظلمة على ظلمة .
[ آية 27 ]
* ( الذين ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه ) * هو الذي أشار إليه في قوله : * ( وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم قالوا بلى ) * [ الأعراف ،
الآية : 172 ] . وقد ورد في الحديث : ( ( أن الله تعالى مسح ظهر آدم بيده وأخرج ذريته
منه كهيئة الذر ) ) . . . الحديث . فيد الله هو العقل الأقداس ، والروح الأول الذي هو
تفسير ابن عربي — صفحة 43
مساهمون: ابن عربي
ص٤٣