سفهوهم لمكان تركهم لحطام الدنيا وإعراضهم عن متاعها ولذاتها وطيباتها ، لزهدهم
الحقيقي . إذ قصارى همومهم ، وقصوى مقاصد عقولهم الأسيرة في قيد الهوى
المشوبة بالوهم ، المؤدية لهم إلى الردى هي تلك اللذات يعلمون ظاهراً من الحياة
الدنيا وهم عن الآخرة هم غافلون ، ولا يعلمون أن غاية السفه هو اختيار الفاني
الأخس على الباقي الأشرف . وفرق بين الفاضلتين بالشعور والعلم ، لأن تأثير خداعهم في أنفسهم وإفسادهم في الأرض أمر بين كالمحسوس . وأما ترجيح نعيم الآخرة على
نعيم الدنيا المستلزم للفرق بين السفه والحكمة فأمر فأمر استدلالي عقلي صرف .
[ آية 12 - 14 ]
، * ( وإذا لقوا الذين آمنوا ) * حكاية لنفاقهم اللازم لحصول استعدادين فيهم الفطري
النوري ، الضعيف المغلوب ، القريب من الانطفاء ، الذي ناسبوا به المؤمنين ، والكسبي
الظلماني القوي الغالب الذي تألفوا به الكفار ، إذ لو لم يكن فيهم أدنى نور لم يقدروا
على مخالطة المؤمنين ومصاحبتهم أصلاً كغيرهم من الكفار لتنافي الضروري بين النور
والظلمة من جميع الوجوه .
والشيطان فيعال من الشطون ، الذي هو البعد ، وشياطينهم المتعمقون في البعد
وهم المطرودون ، ورؤساهم البالغون في النقاق واستهزاؤهم بالمؤمنين يدل على
ضعف جهة النور وقوة جهة الظلمة فيهم ، إذ المستخف بالشيء هو الذي يجد ذلك
الشيء في نفسه خفيفاً ، قليل الوزن والقدر . فهم يستخفون النورانيين لخفة النور
عندهم ، إذ بالنور يعرف قدر النور ، وبرجحان الظلمة فيهم أووا إلى الكفار وألفوهم .
[ آية 15 - 16 ]
* ( الله يستهزئ بهم ) * أي : يستخفهم ، لأن الجهة التي هم بها ناسبوا الحضرة
الإلهية فيهم خفيفة ، ضعيفة . فبقرر ما فنيت فيهم الجهة الإلهية ثبتوا عند أنفسهم ، كما
أن المؤمنين بقدر ما فنيت فيهم أينيتهم النفسانية وجدوا عند الله شتان بين المرتبتين .
* ( ويمدهم ) * في ظلماتهم البهيمية والسبعية التي هي الصفات الشيطانية والنفسانية بتهيئة
موادها وأسبابها التي هي مشتهياتهم ومستلذاهم وأموالهم ومعايشهم من الدنيا التي
اختاروها بهواهم في حالة كونهم متحيرين . * ( في طغيانهم يعمهون ) * والعمه : عمى
تفسير ابن عربي — صفحة 37
مساهمون: ابن عربي
ص٣٧