* ( إن أول بيت وضع للناس ) * قيل : هو أول بيت ظهر على وجه الماء عند خلق
السماء والأرض ، خلقه قبل الأرض بألفي عام ، وكان زبدة بيضاء على وجه الماء ،
فدحيت الأرض تحته . فالبيت إشارة إلى القلب الحقيقي ، وظهوره على وجه الماء
تعلقه بالنطفة عند سماء الروح الحيواني ، وأرض البدن وخلقه قبل الأرض إشارة إلى
قدمه ، وحدوث البدن وتعيينه بألفي عام إشارة إلى تقدمه على البدن بطورين : طور
النفس ، وطور القلب . تقدماً بالرتبة ، إذ الألف رتبة تامة كما سبقت الإشارة إليه ،
وكونه زبدة بيضاء إشارة إلى صفاء جوهره ، ودحو الأرض تحته إشارة إلى تكون البدن
من تأثير ، وكون أشكاله وتخطيطاته وصور أعضائه تابعة لهيئاته فهذا تأويل الحكاية .
واعلم أن محل تعلق الروح بالبدن ، واتصال القلب الحقيقي به أولاً هو القلب
الصوري ، وهو أول ما يتكون من الأعضاء ، وأول عضو يتحرك وآخر عضو يسكن
فيكون أول بيت وضع للناس * ( للذي ببكة ) * الصدر صورة أو أول متعبد ومسجد
وضع للناس للقلب الحقيقي الذي ببكة الصدر المعنوي ، وذلك الصدر أشرف مقام من
النفس وموضع ازدحامات القوى المتوجهة إليه * ( مباركا ) * ذا بركة إلهية من الفيض
المتصل منه بجميع الوجود والقوة والحياة ، فإن جميع القوى التي في الأعضاء تسري
منه أولاً إليها * ( وهدى للعالمين ) * سبب هداية ونور يهتدى به إلى الله * ( فيه آيات بينات ) * من العلوم والمعارف والحكم والحقائق * ( مقام إبراهيم ) * أي : العقل الذي هو
موضع قدم إبراهيم الروح ، يعني محل اتصال نوره من القلب * ( ومن دخله ) * من
السالكين والمتحيرين في بيداء الجهالات * ( كان آمنا ) * من إغواء سعالى المتحيلة ،
وعفاريت أحاديث النفس ، واختطاف شياطين الوهم ، وجن الخيالات ، واغتيال سباع
القوى النفسانية وصفاتها .
* ( ولله على الناس حج ) * هذا * ( البيت ) * والطواف به * ( من استطاع إليه سبيلا ) *
من السالكين ، المستعدين الصادقين في الإرادة ، القادرين على زاد التقوى ، وراحلة
قوة العزم دون من عداهم من الضعاف في الاستعداد ، القاعدين من الضعف والمرض
وسائر الموانع الخلقية أو العارضة النفسانية أو البدنية * ( ومن كفر ) * أي : حجب
استعداده مع القدرة وأعرض عنه بهوى النفس * ( فإن الله غني ) * عنه و * ( عن العالمين ) *
كلهم ، أي : لا يلتفت إليه لبعده وكونه غير قابل لرحمته في ذل الحجاب ، وهو أن
الحرمان مخذولاً مردوداً .
تفسير ابن عربي — صفحة 137
مساهمون: ابن عربي
ص١٣٧